17 و من كلام له عليه السّلام فى ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا

ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذى استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا ، و إلههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد أفأمرهم اللّه تعالى بالاختلاف فأطاعوه ؟ أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاءه فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى ؟ أم أنزل اللّه سبحانه

-----------
( 1 ) بزيادة و جهالات في ش .

[ 115 ]

دينا تامّا فقصّر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن تبليغه و أدائه ، و اللّه سبحانه يقول : ( مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْ‏ءٍ ) و قال : ( فِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَىْ‏ءٍ ) و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ، و أنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : ( وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) . و إنّ القرآن ظاهره أنيق و باطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، و لا تنقضي غرائبه و لا تكشف الظّلمات إلاّ به . أقول :

فى هذا الفصل تصريح بانّه عليه 1 السّلام كان يرى إنّ الحقّ في جهة ، و انّه ليس كلّ مجتهد في الفروع مصيبا كما يراه الجمهور من الاصوليين ، و المسألة مشهورة في اصول الفقه .

و قوله : ترد ، الى قوله : جميعا : صورة حالهم التى ينكرها ، و هو قوله : و الههم ، الى قوله : واحد شروع في بطلان ما يرونه ، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه و كلّ قوم كانوا كذلك فلا يجوز ان يختلفوا في حكم شرعىّ ، و تكون آرائهم المختلفة صائبة . و قوله :

فأمرهم اللّه ، الى آخره : بيان للصغرى و تقديره انّ ذلك الاختلاف امّا ان يكون بأمر من اللّه أطاعوه فيه ، أو بنهى منه عصوه فيه ، او بسكوت عن الأمرين ، و على التقدير الثالث فجواز اختلافهم في دينه . و الحاجة الى ذلك امّا ان يكون مع نقصانه او مع تمامه . و تقصير الرّسول في أدائه و على الوجه الاوّل فالاختلاف انّما يجوز على أحد وجهين : امّا ان يكون ذلك الاختلاف تماما لذلك النقصان ، او على وجه أعم من ذلك و هو كونهم شركاؤه فى الدين فعليه ان يرضى بما يقولون ، و لهم ان يقولوا اذ شأن الشّريك ذلك ، فهذه وجوه خمسة . و حصر الاقسام الثلاثة الاخيرة ثابت بحسب استقراء وجوه الحاجة الى الاختلاف ، و الاقسام كلها باطلة . و اشار الى بطلانها ببقية الكلام .

امّا بطلان الاوّل فلانّ مستند الدّين هو كتاب اللّه و هو يصدّق بعضه بعضا ، فلا اختلاف فيه فلا يكون مبدءا للاختلاف فليس اختلافهم مستندا الى الكتاب فلا يكون من الدين . و امّا الثّانى فلانّ عدم جواز المعصية للّه بالاختلاف مستلزم لعدم جواز

-----------
( 1 ) بزيادة الصلاة في ش .

[ 116 ]

الاختلاف . و امّا الثالث و هو نقصان دين اللّه فلقوله تعالى : ( ما فرّطنا في الكتب مِنْ شى‏ءٍ ) 1 . و امّا الرابع و الخامس فظاهر البطلان و لا يمكن دعواهما ، فلذلك لم يحتج الى بطلانهما ، ثمّ نبّههم الى 2 انّ القرآن واف بجميع المطالب ، اذا تدبّروا معناه فيحرم عليهم قول لا يستند اليه و ذلك في قوله : ظاهره انيق اى : حسن معجب بأنواع البيان ، و باطنه عميق لا ينتهى الى جواهر اسراره الاّ اولو الألباب ، و لا تفنى الامور المعجبة منه و لا تنقضى النكت الغريبة فيه و لا تكشف ظلمات الشبه الاّ به .