22 و من خطبة له عليه السّلام

أمّا بعد فإنّ الأمر ينزل من السّماء إلى الأرض كقطرات المطر : إلى كلّ نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان ، فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس ،

فلا تكوننّ له فتنة : فإنّ المرء المسلم مالم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ، و تغرى بها لئام النّاس ، كان كالفالج الياسر الّذى ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم ، و يرفع بها عنه المغرم ، و كذلك المرء المسلم البرى‏ء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين إمّا داعى اللّه فما عند اللّه خير له ، و إمّا رزق اللّه فإذا هو ذو أهل و مال ، و معه دينه و حسبه ، إنّ المال و البنين حرث الدّنيا ، و العمل الصّالح حرث الآخرة ، و قد يجمعهما اللّه لأقوام ، فاحذروا من اللّه ما حذّركم من نفسه ، و اخشوه خشية ليست بتعذير ،

و اعملوا في غير رياء و لا سمعة ، فإنّه من يعمل لغير اللّه يكله اللّه لمن عمل له نسأل اللّه منازل الشّهداء ، و معايشة السّعداء ، و مرافقة الأنبياء .

أيّها النّاس إنّه لا يستغنى الرّجل ، و إن كان ذا مال ، عن عشيرته ، و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم ، و هم أعظم النّاس حيطة من ورائه ، و ألمّهم لشعثه ، و أعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به . و لسان الصّدق يجعله اللّه للمرء في النّاس خير له من المال يورّثه غيره .

اقول :

مدار الفصل على تأديب الفقراء بترك الحسد ( و نحوه . و فيه تأديب للاغنياء

-----------
( 1 ) في ش هكذا جاء بعد الآية : و كل امر للّه او نهى له و كل حجة للخلق فهى حجة اللّه .

[ 122 ]

بالشّفقة على الفقراء ) 1 و مواساتهم و تزهيد بجمع المال . و قدّم مقدّمة حاصلها الاشارة الى أنّ كلّما يتجدّد من زيادة او نقصان فيما يكون به صلاح الخلق في معاشهم و معادهم من مال ، او جاه ، او اهل ، فانّه عن قسمة ربّانيّة و الامر الّذى هو حكم القدرة الالهيّة على الممكنات بالوجود المعبّر عنه بقوله تعالى : ( اِنَّما قَولُنا لِشَىْ‏ءٍ اِذا أردناهُ اَنْ نَقُوْلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ) 2 و نزوله : حصوله لكلّ نفس بما قسّم لها و هو القدر في قوله تعالى : ( و ما نُنَزِّلُهُ اِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُوْمٍ ) 3 و المراد بالسّماء : سماء الجود الإلهى ، و بالارض : ارض قوابل الجود في هذا العالم ، و يحتمل ان يراد ظاهرهما لأنّ السّماوات بحركاتها شرائط معدّة لما يحدث فى الارض فكانت مبادى‏ء على بعض الوجود لنزول الأمر ، فجاز نسبته اليها . و وجه التّشبيه بقطر المطر : أنّ حصوله لكل نفس مما يختلف بالاصابة و عدمها ، و بالزّيادة و النّقصان كالقطر بالنّسبة الى البقاع و هو تشبيه للمعقول بالمحسوس .

قوله : فاذا رأى أحدكم ، الى قوله : فتنة . و الغفيرة : الدناءة و فيه تأديب لمن حصل فى حقّه النّقصان من أحد الامور المذكورة بالنّهى عن الفتنة بحال من حصلت له الزّيادة فى احدهما . و الفتنة : الإبتلاء اى : فلا يبتلى نفسه بغبطته و حسده .

قوله : فإنّ المرء الى قوله : حسبه : تنبيه على فضيلة الإنتهاء عن الفتنة باحد الامور المذكورة فنبّه على كونها دنايا . بقوله : ما لم يغش دناءة و ما : بمعنى المدّة ، و كالفالج :

خبر إنّ و تظهر صفة لدناءة ، و يخشع : عطف على تظهر . و الكلام في معرض التّعليل ، و معناه : انّ المسلم مهما لم يرتكب امرا خسيسا يظهر عنه و يلزمه بارتكابه الخجل من ذكره ،

و الحياء من التّعبير به ، و يغرى به لئام النّاس و عوامهم في فعل مثله ، و قيل : فى هتك ستره به يشبه الفالج الياسر اى : الفائز اللاّعب بالميسر ، و هو : لعب مخصوص كانت العرب تلعب به ، و قد شرحنا كيفيّته في الاصل 4 . و وجه الشّبه انّ الفائز الياسر قبل فوزه فى لعبه ، ينتظر اوّل فوزه به من قدّاحه ، و هى الخشبات الّتى يلعب بها ، و وجه فوزه انّه

-----------
( 1 ) العبارة الموجودة بين القوسين غير موجودة في نسخة ش

-----------
( 2 ) سورة النحل 40

-----------
( 3 ) سورة الحجر 21

-----------
( 4 ) ج 2 7 .

[ 123 ]

يستوجب المغنم في بعض السّهام ، و ينفى عنه بخروجها المغرم ، و بعضها يوجب غنما و غرما ، و بعضها لا يوجب غنما و يوجب غرما ، كذلك المسلم البرى‏ء من الخيانة الضّابط لنفسه عن ارتكاب مناهى اللّه في صبره عنها ينتظر احدى الحسنيين في الدّنيا ، امّا أن يدعو اللّه اليه بالقبض عن الشّقاء في هذه الدّار فما عند اللّه خير له فيفوز اذن بالنّعيم المقيم .

و لمّا كان مستلزما لعدم خسرانه ظهر حسن تشبيهه بالياسر الفالج في فوزه المستلزم لعدم غرمه . و امّا ان يفتح اللّه عليه أبواب رزقه فيصبح و قد جمع اللّه بين المال و البنين مع حفظ الحسب والدّين فيفوز الفوز العظيم .

قوله : إنّ المال ، الى قوله : لأقوام : تنبيه على تحقير المغشيات الدّنيوية بالنّسبة الى متاع الآخرة . قوله : و قد يجمع اللّه لأقوام : تنبيه على وجوب التّوكّل على اللّه اذ كان جمعها غير ممكن إلاّ منه ، ثمّ أكّد ذلك بالتحذير مما حذّر اللّه من نفسه و الأمر بالخشية الصّادقة البريئة من التّعذير و هو اظهار العذر من غير عذر ، و العمل للّه البرى‏ء من الرّياء ، و جذب اليه بضمير صغراه . قوله : فإنّه ، الى قوله : له ، و تقدير كبراه و كلّ من وكّله الى من عمل له غير اللّه فهو من الخاسرين ، و معايشة السّعداء : العيش معهم . قوله : ايّها النّاس الى قوله : غيره : تأديب للاغنياء بالمعونة للفقراء لينتظم شمل المصلحة من الطّرفين ، و استدرجهم بضميرين صغرى الأوّل انّهم لا يستغنون عنهم ، و ان كانوا اصحاب ثروة اذ صاحب المال احوج الى الاعوان للذّبّ عنه ، و تقدير الكبرى أنّ و كلّ من لا يستغنى عنه ،

فواجب مواساتهم . و الحيطة بكسر الحاء و سكون الياء : الحفظ . و ألمّهم لشعثه : أجمعهم لما يعرف من حاله ، و صغرى الثانى قوله : و لسان الصدق الى آخره ، و تقدير كبراه و كلّ ما كان خيرا من المال فالأولى بذل المال لاكتسابه ، و لسان الصّدق هو الذّكر الجميل .

و منها :

ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالّذى لا يزيده إن أمسكه ، و لا ينقصه إن أهلكه ، و من يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة ، و تقبض منهم عنه أيد كثيرة ، و من تلن حاشيته يستدم من قومه المودّة .

[ 124 ]

قال الشّريف : أقول : الغفيرة ههنا الزّيادة و الكثرة ، من قولهم للجمع الكثير : الجمّ الغفير ، و الجمّاء الغفير . و يروى « عفوة من أهل أو مال » و العفوة الخيار من الشى‏ء ، يقال :

أكلت عفوة الطّعام ، أى : خياره ، و ما أحسن المعنى الّذى أراده عليه السّلام بقوله : « و من يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام ، فإنّ الممسك خيره عن عشيرته إنّما يمسك نفع يد واحدة . فإذا احتاج إلى نصرتهم و اضطرّ إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره ، و تثاقلوا عن صوته فمنع ترافد الأيدى الكثيرة ، و تناهض الأقدام الجمّة . أقول : الخصاصة : الفقر . و الفصل من تمام ما قبله و حاصله : النّهى عن العدول عن سد خلة الأقرباء ذوى الحاجة بالفاضل من المال . و قوله : يرى ، فى موضع النصب على الحال و ان كسرها في موضع الجر بدلا من القرابة . و قوله : لا يزيده الى قوله : اهلكه ، اى :

لا يزيد امساكه في صلاح حاله و لا ينقص اتلافه من ذلك إذ الفضل الزّائد في حال الانسان على القدر الّذى يدفع ضرورته بحسب الشّريعة ليس زيادته و لا نقصانه 1 في صلاح حاله و فساده فيها . و امّا قوله : و من تقبض الى آخره ، فقد اشار السّيّد رحمه اللّه و هو ظاهر . و قوله : و من تلن حاشيته الى آخره : تأديب بالتّواضع و لين الجانب فانّ ذلك يستلزم الألفة من النّاس و هى موجبة للمودّة .