23 و من خطبة له عليه السّلام

و لعمرى ما علىّ من قتال من خالف الحقّ ، و خابط الغىّ ، من إدهان و لا إيهان ،

فاتّقوا اللّه عباد اللّه ، و فرّوا إلى اللّه من اللّه ، و امضوا في الّذى نهجه لكم ، و قوموا بما عصبه بكم . فعلىّ ضامن لفلجكم آجلا ، إن لم تمنحوه عاجلا . أقول : الإدهان : المداهنة و المصانعة ، و الإيهان : مصدر اوهنه اى : اضعفه . و في

-----------
( 1 ) فى ش بزيادة : معتبرا .

[ 125 ]

هذا الفصل ردّ لقول من يقول انّ مصانعته عليه 1 السّلام لمحاربيه اولى من محاربتهم ،

فقال : انّه ليس يجب عليّ في قتالهم مصانعة من جهة الدّين و لا في ضعف عن ذلك ، و وصفهم بمخابطة الغيّ و البغى لقيام عذر ، اذ كان قتال من هذه صفته واجبا . و الفرار الى اللّه : الأقبال عليه و توجيه السّير اليه و هو على مراتب : اوّلها ، الفرار من بعض آثاره الى بعض كالفرار من أثر غضبه إلى أثر رحمته .

الثّانية ، أن يفرّ العبد عن مشاهدة الافعال و يترقّى في درجات القرب و المعرفة إلى مصادر الافعال ، و هى الصفات فيفرّ من بعضها الى بعض كما يستفاد من سخط اللّه بعفوه و السّخط و العفو صفتان .

الثالثة ، أن يترقّى عن مقام الصّفات الى ملاحظة الذّات فيفرّ منها اليها ، و قد جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هذه المراتب حين أمر بالقرب في قوله تعالى : ( وَاسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ ) 2 فقال في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك . و العفو كما يكون صفة للعافى كذلك قد يراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو . ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهدة الأفعال و ترقّى الى مصادرها و هى الصّفات ، قال : و اعوذ برضاك من سخطك ، و هما صفتان . ثمّ لمّا ترقّى عن مقام مشاهدة الصّفات و اقترب الى ملاحظة الذّات ، قال : و اعوذ بك منك . و هذا فرار منه اليه ، و هو مقام الوصول الى ساحل العزّة . ثم للسّباحة في لجة الوصول درجات أخر لا تتناهى .

و لذلك لمّا قرب ازداد صلّى اللّه عليه و آله قربا ، قال : لا احصى ثناء عليك ، و هو حذف لنفسه عن درجة الاعتبار و اعراض عن التّبجح بزينة الحقّ في ذاته ، و كان قوله بعد ذلك : أنت كما أثنيت على نفسك ، كمالا للإخلاص و تجريدا له ، و عند ذلك يقول :

إنّ قوله عليه السّلام : و فرّوا الى اللّه من اللّه : امر بالتّرقّى الى المرتبة الثّالثة من المراتب المذكورة .

و ما نهجه لهم و اوضحه : هو السّبيل العدل ، و الصّراط المستقيم ، و قد علمت انّ غاية سلوك سبيل اللّه بالعبادة تطويع النّفس الأمّارة بالسّوء للنّفس المطمئنّة ، و حينئذ تعلم

-----------
( 1 ) فى ش بزيادة : الصلاة

-----------
( 2 ) سورة العلق 19 .

[ 126 ]

أنّ هذه الأوامر الثلاثة هى الّتى عليها مدار الرّياضة . فالأمر بالتّقوى يستلزم الزّهد الحقيقى ، و هو معين على حذف الموانع الدّاخلية و الخارجيّة ، و الامر بسلوك سبيل اللّه معين على تطويع النّفس الأمّارة ، و الأمر بالفرار الى اللّه امر بتوجّه السّير اليه ، و هذه الاعراض الثّلاثة الّتى يتوجّه نحوها الرّياضة المستلزمة لكمال الاستعداد للوصول اليه تعالى ، و لذلك قال عليه السّلام بعدها : فعليّ ضامن لفلجكم آجلا ان لم تمنحوه عاجلا .

و الفلج : الفوز ، و المنحة : العطيّة ، و ذلك بشرط الاستعداد بلزوم الأوامر المذكورة .