24 و من خطبة له عليه السّلام

و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد و قدم عليه عاملاه على اليمن ، و هما عبيد اللّه بن عباس ، و سعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبى أرطاة ، فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الرّأى ، فقال : ما هى إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها ، إن لم تكوني إلاّ أنت تهبّ أعاصيرك .

فقبّحك اللّه .

و تمثّل بقول الشّاعر :

لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني
على وضر من ذا الإناء قليل

ثم قال عليه السّلام :

أنبت بسرا قد اطّلع اليمن ، و إنّى و اللّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم :

باجتماعهم على باطلهم ، و تفرّقكم عن حقّكم ، و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، و طاعتهم إمامهم في الباطل ، و بأدائهم الأمانة إلى صاحبهم و خيانتكم و بصلاحهم في بلادهم و فسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته اللّهمّ إنّى قد مللتهم و ملّوني و سئمتهم و سئمونى ، فأبدلنى بهم خيرا منهم و أبدلهم بى شرّا منّى ،

اللّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما و اللّه لوددت أنّ لى بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم .

[ 127 ]

هنا لك ، لو دعوت ، أتاك منهم
فوارس مثل أرمية الحميم

ثم نزل عليه السّلام من المنبر . قال السيّد : قلت أنا : و الأرمية جمع رمى و هو السّحاب ، و الحميم ههنا : وقت الصّيف ، و إنّما خصّ الشّاعر سحاب الصّيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا و أسرع خفوفا لأنّه لا ماء فيه . و إنّما يكون السّحاب ثقيل السّير لامتلائه بالماء ، و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ في زمان الشّتاء ، و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا ، و الإغاثة إذا استغيثوا ، و الدّليل على ذلك قوله هنا لك لو دعوت أتاك منهم . أقول : الضّمير في قوله ، و انّما هى الكوفة و ان لم يسبق ذكرها لكونها المعهودة فى الخطاب ، و نحوه قوله تعالى : ( كلاّ إنَّها لَظى‏ نَزّاعَةً للّشّوى ) 1 و يحتمل ان يكون ضمير الشّأن ، و يفهم من الكلام حصر ما بقى من البلاد الّتى تعتمد عليها في الحرب و غيره في الكوفة على سبيل التّحقير لها بالنّسبة الى ملك الاسلام ، و قبضها و بسطها :

كنايتان عن وجوه التّصرّف فيها . و الضّمير بعد الاّ بدل مما قبلها ، و الجملة الفعليّة بعده فى موضع الحال و خبر كان محذوف . و لفظ الأعاصير : يحتمل ان يكون حقيقة لأنّ الكوفة معروفة بهبوب الأعاصير فاتى بذلك في معرض ذمّها و تحقيرها . و يحتمل ان يكون مستعارا لمّا يحدث من آراء أهلها المختلفة الّتى هى منبع الفتنة ، و وجه المشابهة الازعاج و الأذى و الاستصغار ايّاها تمثل بالبيت لعمرابيك الخير .

و وجه التّمثيل انّ الكوفة تشارك الوضر و هو : الدّرن الباقى في الاناء ( بعد الأكل فى القلّة و الحقارة فهو يقول : إنّى على بقيّة من هذا الأمر كالوضر في الاناء ) 2 . و من روى الآلاء و هو : شجر حسن المنظر مرّ الطّعم ، فإنّما اراد أنّي على بقيّة من هذا الأمر كالقدر الحاصل لناظر الآلاء من حسنه مع عدم الانتفاع به . و خص الكوفة دون البصرة لأنّ جمهور من كان يعتمد عليه من العسكر أهلها .

أقول : انبأت شروع في بيان عرضه و هو : استنفارهم الى الجهاد 3 . و بسر بالسّين

-----------
( 1 ) سورة المعارج 16

-----------
( 2 ) الجملة بين القوسين غير موجودة في ش . 3 فى ش : الى جهاد عدوهم .

[ 128 ]

المهملة : ابن ابى ارطاة من أصحاب معاوية . و اطّلع اليمن : غشها . و الادالة : الغلبة ، و ذكر من أسباب ما ظنّ وقوعه منهم اربعة من قبلهم هى أسباب الانقهار . و اربعة من قبل الخصم هى اسباب القهر ، و رتّب كلّ أمر عقيب ضدّه ليظهر لهم المناسبة بين أفعالهم و أفعال خصومهم . و القعب : قدح ضخم ، و دعائه عليه السّلام بوجود الأشرار جائز بشرط 1 المصلحة في تخويفهم بذلك أو لأنّه علم عدم صلاحهم كما دعا نوح عليه السّلام على قومه : ( اِذْ قالَ رَبِّ اِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى إلى قوله لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكفرينَ دَيّارًا ) 2 و كما دعا لوط عليه السّلام . و الميث : الإذابة .

و روى انّ اليوم الّذى دعا عليهم فيه ، ولد فيه الحجّاج ، و فعله باهل الكوفة ظاهر .

و قوله : أما و اللّه الى آخره : تحقير لهم بتفضيل غير هم عليهم ليستثير طباعهم بذلك .

و بنو فراس : من تغلب ابوهم غنم بفتح الغين ، و هو : غنم بن تغلب بن وائل ، و خصّهم لشهرتهم بالشّجاعة و الحميّة . و معنى البيت هو ما اشار إليه السيّد رحمه اللّه 3 .