26 و من خطبة له عليه السّلام

أمّا بعد ، فانّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه : و هو لباس التّقوى ، و درع اللّه الحصينة ، و جنّته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّلّ ، و شملة البلاء ، و ديّث بالصّغار و القماء ، و ضرب على قلبه بالأسداد ، و أديل الحقّ منه بتضييع الجهاد ، و سيم الخسف ، و منع النّصف ، ألا و إنّى قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا ، و سرّا و إعلانا ، و قلت لكم : أغزوهم قبل أن يغزوكم فو اللّه ما غزى قوم فى عقر دارهم إلاّ ذلّوا فتوا كلتم ، و تخاذلتم حتّى شنّت الغارات عليكم ، و ملكت عليكم الأوطان ، و هذا أخو غامد و قد وردت خيله الأنبار ، و قد قتل حسّان بن حسّان البكرىّ ، و أزال خيلكم عن مسالحها ، و لقد بلغنى أنّ الرّجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ،

و الأخرى المعاهدة ، فينتزع حجلها و قلبها و قلائدها و رعاثها ، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع و الاسترحام ، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم ، و لا أريق لهم دم ، فلو أنّ امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما ، بل كان به عندى جديرا ، فياعجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم و تفرّقكم عن حقّكم فقبحا لكم و ترحا ، حين صرتم غرضا يرمى ، يغار عليكم و لا تغيرون ، و تغزون و لا تغزون ، و يعصى اللّه و ترضون ، فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الصّيف قلتم هذه حمارّة القيظ ،

أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ ، و إذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء قلتم : هذه صبارّة القرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، كلّ هذا فرارا من الحرّ و القرّ فاذا كنتم من الحرّ و القرّتفرّون فأنتم و اللّه من السّيف أفرّ ، يا أشباه الرّجال و لا رجال حلوم الأطفال ، و عقول ربّات الحجال ، لوددت أنّى لم أركم و لم أعرفكم معرفة و اللّه جرّت ندما ، و أعقبت سدما قاتلكم اللّه لقد ملأتم قلبى قيحا ،

و شحنتم صدرى غيظا ، و جرّ عتمونى نغب التّهمام أنفاسا و أفسدتم علىّ رأيي بالعصيان و الخذلان ، حتّى قالت قريش : إنّ ابن أبى طالب رجل شجاع ، و لكن لا علم له بالحرب .

للّه أبوهم و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا ، و أقدم فيها مقاما منّى ؟ لقد نهضت فيها ، و ما بلغت العشرين ، و ها أناذا قد ذرّفت على السّتّين ، و لكن لا رأى لمن لا يطاع

[ 131 ]

اقول : الخطبة مشهورة ذكرها المبرّد و غيره ، و اشار الى فضائل الجهاد ترغيبا فيه ،

و استعار لفظ الباب : للدّخول به الجنّة ، و لفظ اللّباس و الدّرع و الجنّة و هى : التّرس لانّ الإنسان يتّقى به العدوّ ، و عذاب الآخرة . و ديّث اى : ذلّل . و الصغار : الذّل و الضيم .

و القماء : ممدود الحقارة و الذّل ايضا . و اسدل الرجل بالبناء : للمفعول اذا ذهب عقله ، و غفل عن مصالحه ، و هو كقوله تعالى : ( وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ ) 1 و اديل الحقّ من فلان : غلبه عليه عدوّه ، و سامه خسفا أي : اولاه ذلاّ . و النصف بكسر النون : الاسم من الانصاف و لزوم الامور المذكورة عن ترك الجهاد ظاهر .

و قوله : الا و انّى ، الى آخره : ذكر لغرضه و هو الحثّ على الجهاد ، و التّوبيخ على تركه . و عقر الشى‏ء : اصله ، و اخو غامد هو : سفيان بن عوف الغامدى ، و غامد قبيلة من اليمن من ازد ، شنوه ، و شن الغارة و اشنّها : فرّقها من كل جانب . و المسالح جمع مسلحة و هى : الحدود و الاطراف من البلاد ، يرتّب فيها اصحاب السّلاح كالثّغور ،

و المعاهدة الذمّية . و الحجل : الخلخال . و القلب : السّوار . و الرّعاث جمع رعثة بفتح الرّاء و العين و سكونها و هى : القرط . و الرّعاث : ايضا ضرب من الخرز و الحلى . و الاسترجاع :

ترديد الصوت في البكاء . و الاسترحام : مناشدة الرحم ، و افرين : غانمين . و الكلم : الجرح .

و جدير : اولى . و عجبا : نصب على المصدر و المنادى محذوف اى : يا قوم و نحوه ، و كرّر المصدر ليحسن وصفه . و التّرح : الحزن . و حمارّة القيظ بتشديد الراء : شدّة حرّه . و سبّخ الحر : فتر . و صبارّة القرّ بتشديد الرّاء : شدّة البرد ، و كنى بالقيح : شدّة التّألّم اذ هو غاية ألم العضو . و الحجال جمع حجلة و هى : بيت العروس يزيّن بالسّتور و الثّياب ، و وجه شبه حلومهم بحلوم الأطفال : سرعتها عن أدنى سبب لا يصلح ان يقنع به العاقل كحلمهم عن اهل الشّام بخدعة رفع المصاحف . و وجه شبه عقولهم بعقول ربّاب الحجال ، اى :

النّساء ضعفها عن ادراك وجوه المصالح . و السّدم : الحزن عن النّدم . و شحنتم : ملأتم .

و النّغب جمع نغبة بضم النون و هى : الجرعة . و التّهمام بفتح التاء : التّهم . و للّه أبوهم : كلمة من ممادح العرب . و المراس : العلاج . و ذرّفت بتشديد الراء : زدت . و قوله : لا رأى لمن لا يطاع ، مثل ، قيل : اوّل من سمع منه هو عليه السّلام .

-----------
( 1 ) سورة البقرة 61 .

[ 132 ]