28 و من خطبة له عليه السّلام

أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهى الصمّ الصّلاب ،

و فعلكم يطمع فيكم الأعداء تقولون في المجالس : كيت و كيت ، فإذا جاء القتال قلتم :

حيدى حياد ما عزّت دعوة من دعاكم و لا استراح قلب من قاساكم أعاليل بأضاليل 1 دفاع ذى الدّين المطول لا يمنع الضّيم الذّليل . و لا يدرك الحقّ إلاّ بالجدّ ، أىّ دار بعد داركم تمنعون و مع أىّ إمام بعدى تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غرر تموه ، و من فازبكم فقد فاز و اللّه بالسّهم الأخيب ، و من رمى بكم ، فقد رمى بأفوق ناصل أصبحت و اللّه لا أصدّق قولكم ، و لا أطمع في نصركم ، و لا أوعد العدوّ بكم ما بالكم ما دواؤكم ما طبّكم القوم رجال أمثالكم أقولا بغير عمل ؟ و غفلة من غير ورع ؟ و طمعا في غير حقّ ؟ أقول : نبّههم على ما يستقبح في الدّين ، و حسن السّيرة من أحوالهم و أقوالهم ، امّا احوالهم فاجتماعهم مع تفرّق آرائهم الموجب لتخاذ لهم عن الجهاد ، و امّا أقوالهم فكلامهم بوعيد العدوّ بالحرب الّذى تضعف معه القلوب الصّلبة لظنّها صدقه ، و استعار لفظ الصّمّ من الحجارة : للقلوب القويّة ، و امّا أفعالهم فهو التّخاذل و الفرار من العدوّ . و قوله : حيدى حياد ، كالمثل يقوله العرب عند الفرار و مفهومها : تنحّى عنّا ايّتها الحرب ، و هى كقولهم :

فيحى فياح ، و فياح اسم : للحرب . و اعاليل جمع اعلال جمع علّة : اسم لما يتعلّل به و يعتذر . و اضاليل جمع اضلال جمع ضلّة : اسم للضلال ، و اعاليل : خبر مبتدإ محذوف :

اى اعذاركم اعاليل باطلة سببها الضّلال ، عن سبيل اللّه ، و دفاع : مصدر و هو صفة مشبه به ،

و وجه الشّبه كثرة المدافعة . و اراد بدارهم ، : دار السّلام . و السّهم الاخيب ، من سهام الميسر و الذى لا فرض فيه و لا غنم به كالّتى تسمّى اوغادا و فيها خيبة و غرم كما علم في الاصل ، و كنّى بذلك : عن حصولهم في سهمه و عدادهم من قومه . و الأفوق النّاصل ، : السّهم الّذى لا فوق له و لا نصل ، و استعار لفظه لهم باعتبار انّهم لاغناء بهم فيما يريده منهم كالسّهم المذكور . و قوله : بغير عمل : وعدهم له بالنّهوض الى الحرب خلفهم .

و روى بغير علم اى : بغير اعتقاد لذلك ، و لا نيّة فيه ، و الغفلة من غير ورع هى المذمومة اذ

[ 135 ]

قد يعرض لذوى الورع غفلة عن مصالحهم الدّنيويّة و تكون محمودة لهم و منهم و هم البلّه الّذين اشار اليهم الرّسول صلّى اللّه عليه و آله بقوله : ( اكثر اهل الجنّة البله ) اى :

سليموا الصّدر من الاهتمام بالدّنيا و وجوه تحصيلها . و أراد غفلتهم عن مصلحة الجهاد ، و طمعا بغير حقّ أى : فيما كانوا يتوقّعونه منه من التّفضيل و الزّيادة على عطائهم كما فعل من قبله .