31 و من خطبة له عليه السّلام

أيّها النّاس ، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ، و زمن كنود يعدّ فيه المحسن مسيئا ،

و يزداد الظّالم عتوّا ، لا ننتفع بما علمنا ، و لانسأل عمّا جهلنا ، و لا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا فالنّاس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعهم الفساد إلاّ مهانة نفسه ، و كلالة حدّه ،

و نضيض وفره ، و منهم المصلت لسيفه ، و المعلن بشرّه ، و المجلب بخيله و رجله ، قد أشرط نفسه ، و أوبق دينه ، لحطام ينتهزه ، أو مقنب يقوده ، أو منبر يفرعه . و لبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا ، و ممّا لك عند اللّه عوضا ، و منهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة ،

و لا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا : قد طامن من شخصه ، و قارب من خطوه ، و شمّر من ثوبه ،

و زخرف من نفسه للأمانة ، و اتّخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية ، و منهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ، و انقطاع سببه ، فقصرته الحال على حاله ، فتحلّى باسم القناعة ، و تزيّن بلباس أهل الزّهادة ، و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى . و بقى رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، و أراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد ناد ، و خائف مقموع ، و ساكت مكعوم ، و داع مخلص ، و ثكلان موجع . قد أخملتهم التّقيّة ، و شملتهم الذّلّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة ، و قلوبهم قرحة . و قد و عظوا حتّى ملوّا ، و قهروا حتّى ذلّوا ، و قتلوا حتّى قلوّا . فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ و قراضة الجلم ، و اتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتّعظ بكم من بعد كم ، و ارفضوها ذميمة :

فإنّها رفضت من كان أشغف بها منكم . قال السيّد رضى اللّه عنه : و هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية ، و هى من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الّذى لا يشكّ فيه ، و أين الذهب من الرّغام ، و العذب

[ 138 ]

من الأجاج ؟ و قد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت ، و نقده النّاقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التّبيين ، و ذكر من نسبها إلى معاوية ،

ثم قال : هى بكلام علىّ عليه السّلام أشبه و بمذهبه في تصنيف النّاس . و بالإخبار عمّا هم عليه من القهر و الإذلال ، و من التّقيّة و الخوف أليق قال : و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهاد ، و مذاهب العبّاد ؟ اقول : العنود : الجائر ، و الكنود : الكفور ، و العتوّ : الكبر ، و القارعة : الخطب العظيم . و نسبة الخير الى بعض الازمنة ، و الشّرّ الى بعضها نسبة صحيحة لانّ الزمان من الأسباب المعدّة لحصول ما يحصل في هذا العالم من الحوادث و الأمور المعدودة خيرا و شرّا . و قد تتفاوت الأزمنة في الاعتداد لقبول الخير و الشّر ففى بعضها يكون بحسب الاستقراء الخير غالبا خصوصا في زمن قوّة الدّين و النّواميس الشّرعيّة النّاظمة للعالم ، و في بعضها يكون الشّرّ غالبا . و عدّ المحسن مسيئا كالمتصدّق مرائيا و زيادة عتو الظّالم اى : تجبّره لضعف سلطان الدّين ، و عدم انتفاع العالم بعلمه فيه عدم علمه على وفق علمه ، و عدم سؤال الجاهل عمّا جهله لقلّة الرّغبة في العلم و الانتفاع به ، و عدم تخوّف النّاس من الأمر المخوف حتّى ينزل بهم ، كناية : عن عدم فكرهم فيما يصلح حال عاقبتهم و هو ايماء الى ما يستقبلونه من فتنة بنى اميّة و غيرها .

فامّا قسمته للنّاس فسياقها الى آخر الكلام ، يقتضى خمسة اقسام و إنّما افرد الأربعة لاشتراكها في غرض الذّمّ و افرد الخامس لاختصاصه بالمدح ، و وجهه انّ النّاس إمّا مريدون للدّنيا اوللّه ، و الأوّلون إمّا قادرون عليها أو ليس ، و الثّانى امّا غير محتالين لها او محتالون ، و الثّانى إمّا يؤهّلوا انفسهم للملك و الامارة او ليس فهذه اقسام خمسة . فالأوّل ،

المريدون للدّنيا القادرون عليها ، و هم : المشار اليهم في القسم الثّانى من قسمته بقوله :

فمنهم المصلّت الى قوله : يفرعه ، و هم الّذين اطلقوا عنان النّفس من الشّهوة و الغضب في تحصيل ما تخّيلوه كمالا . و اصلات السّيف : تجريده و كنّى به عن التّغلّب و القهر بالظّلم و غيره . و الإجلاب بالخيل و الرجل كناية عن : جمع اسباب الظلم و الغلبة ، و اشرط نفسه :

اعلمها و نصبها لذلك حتّى صار معروفا به . و أوبق دينه : اهلكه . و الحطام : متاع الدّنيا ،

و الانتهار : الإختلاس و الإستلاب بقدر الإمكان . و المقنب بكسر الميم و فتح النون : الجمع

[ 139 ]

من الخيل . و فرع المنبر و افترعه : علاه .

و خصّص الأمور الثّلاثة لأنّها الاغلب في مطالب الدّنيا . و قوله : و لبئس المتجر ،

الى آخره : تنبيه لهذا الصّنف على خسرانهم في افعالهم الشّبيهة بالتّجارة الخاسرة .

الصّنف الثّانى ، المريدون لها غير القادرين عليها و لا محتالين لها و اشار اليه ،

بقوله : و منهم من لا يمنعه الى قوله : و فرّه ، و كنّى : بكلال حدّه عن عدم صراحته فى الامور وضعفه عنها ، و نضيض و فره : قلّة ماله .

الصّنف الثّالث ، غير القادرين عليها مع احتيالهم لها و اعداد انفسهم لا موردون الملك ، و اشار اليهم بقوله : و منهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة اى : بالعبادة رياءا و سمعة قوله : الدّنيا ، و تطأ منه من شخصه : دخوله في شعار الصّالحين ، و ستر اللّه الّذى حمى به اهل التقوى من موارد الهلكة قد يتزيّأ به غيرهم و يجعلونه ذريعة الى معصيته ، و زخرف من نفسه زيّنها .

الصنف الرابع ، غير القادرين عليها ، المحتالون لها المؤهّلون أنفسهم للملك و الامرة ، و اشار اليهم بقوله : و منهم من اقعده الى آخره ، و ضئولة نفسه : حقارتها ، و تخيّل العجز عن المطلوب ، و انقطاع السبب كقلّة المال و عدم الاعوان ، و قصرته الحال اى : حال القدر على حاله الّتى لم يبلغ معها ما اراد ، فلزم الحيلة الجاذبة لرغبة الخلق اليه من التحلّى بالقناعة ، و التّزيّن بلباس الزهاد ، و كنّى : بكونه ليس من ذلك في مراح و لا مغدى عن كونه من الزاهدين في شى‏ء .

الصنف الخامس المريدين للّه تعالى ، و اشار اليهم بقوله : و بقى رجال ، الى آخره ،

و غضّ أبصارهم ذكر المرجع اى : كفّهم عن الإلتفات الى الدّنيا لاشتغال سريرتهم بأحوال الآخرة . و الشّريد النّاد : المطرود الذّاهب لوجهه ، إمّا لانكاره المنكر او لقلّة صبره على مشاهدته . و مقموع : مذلّل مقهور . و الكعام : شى‏ء يجعل في فم البعير عند الهياج ،

فاستعار لفظه للساكت خوفا كأنّه شدّ فوه . و ثكلان : موجع إمّا لمصابه في الدّين او لكثرة اذاه من الظّالمين . و يحتمل ان يكون ذلك تفصيلا لحال المتّقين بالنّسبة الى خوف المحشر اذ فعل كلّ منهم ما هذه صفته . و استعار لفظ البحر الاجاج : لما هم فيه من الدنيا و أحوالها ، باعتبار عدم التذاذهم بها فهى كالبحر المالح عند راكبه ، لا يلتذّ به و ان

[ 140 ]

اجهده العطش . و ضامزة بالزاء المعجمة ساكنة ، و من روى بالراء فأراد أنّها : ذاهلة لكثرة 1 صيامهم و بعد افواههم من المضغ . و قرح قلوبهم لخوفهم من اللّه . و الحثالة : الثفل .

و القرظ : ورق السلم يدبغ به . و الجلم : المقص . و باللّه التوفيق .