34 و من خطبة له عليه السّلام بعد التّحكيم

الحمد للّه و إن أتى الدّهر بالخطب الفادح ، و الحدث الجليل . و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ليس معه إله غيره ، و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه عليه و آله .

أمّا بعد ، فإنّ معصية النّاصح الشّفيق العالم المجرّب تورث الحسرة ، و تعقب النّدامة .

و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمرى و نخلت لكم مخزون رأيى ، لو كان يطاع لقصير أمر ، فأبيتم علىّ إباء المخالفين الجفاة ، و المنابذين العصاة ، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه ،

[ 143 ]

و ضنّ الزّند بقدحه ، فكنت و إيّاكم كما قال أخو هوازن :

أمرتكم أمرى بمنعرج اللّوى
فلم تستبينوا النّصح إلاّ ضحى الغد

اقول هذه الخطبة بعد ان بلغه تمام حيلة عمرو بن العاص ، على ابي موسى الاشعرى فى الحكومة .

و الخطب : الامر العظيم . و فدحه : أثقله . و مفهوم قوله : و ان أتى ، الحمد على كلّ حال . و قوله : لو كان يطاع لقصير أمر : مثل يضرب لمن يخالف الناصح فيندم . و قصير هذا : هو قصير بن سعد اللخمى مولى جديمة الابرش ، بعض ملوك العرب واصله : انّ جديمة كان قتل أبا الزباء ملكة الجزيرة ، فبعث اليه ليتزوّجها حيلة عليه ، و سألته القدوم عليها فأجابها الى ذلك و خرج في ألف فارس و خلّف باقى جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدى ، و كان قصير اشار الى جديمة ان لا يتوجّه اليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جديمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدّة ، و لم ير منهم 1 اكراما له فأشار عليه قصير بالرجوع عنها فلم يقبل ، فلما دخل عليها غدرت به و قتلته فعندها قال قصير : لا يطاع لقصير امر ،

فذهبت مثلا لكل ناصح عصي ، و هو مصيب في رأيه ، و ارتاب النّاصح بنصحه ، يعنى :

نفسه لاطباق اصحابه على مخالفته لانّ المشوريّات امور مظنونة 2 و قد يتغيّر الظنّ بتغيّر الامارات . و قيل : يحمل ذلك على المبالغة ، لانّه عليه السّلام منزّه عن الشك فيما رآه صوابا .

و قوله : و ضنّ الزّند بقدحه ، قيل : هو مثل يضرب لمن يبخل بفوائده . و البيت لدريد ابن الصمة من قصيدة له في الحماسة اوّلها :

نصحت لعارض و اصحاب عارض
. . . . . .

و انّما قال : اخو هوازن : لنسبته اليهم ، فانّ دريد بن الصمة من بنى جشم بن معاوية ابن بكر بن هوازن ، كقوله تعالى : ( و اذكر أخا عاد ) 3 و وجه تمثيله نفسه معهم بهذا القائل

-----------
( 1 ) في نسخة ش : يرمهم

-----------
( 2 ) في ش : مصونة

-----------
( 3 ) سورة الاحقاف 21 .

[ 144 ]

مع قومه اشتراكهما في النّصيحة و عصيانهما المستعقب لندامة قومهم و هلاكهم ، و الّذى كان اشار به عليه السّلام هو : ترك الحكومة ، و الصّبر على قتال اهل الشام .