40 و من خطبة له عليه السّلام

إنّ الوفاء توأم الصّدق ، و لا أعلم جنّة أوقى منه و لا يغدر من علم كيف المرجع . و لقد أصبحنا في زمان ، قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ، ما لهم ؟ قاتلهم اللّه قديرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين . أقول : الوفاء فضيلة نفسانية ينشأ من لزوم العهد الّذى ينبغى و البقاء عليه . و الصّدق :

فضيلة تحصل عن لزوم الأقوال المطابقة ، و هما داخلتان تحت فضيلة العفّة فلذلك استعار لهما لفظ التّوأم ، باعتبار اقترانهما تحت فضيلة واحدة و نشوئهما عنها كالأمّ . و قوله : و لا اعلم جنّة اوقى منه ، أى : ليس الفضائل المتعلّقة 1 بالمعاملات ، و الشّركة المدينية شى‏ء اشدّ وقاية من عذاب الآخرة منه . فانّه اصل عظيم يستلزم فضائل كثيرة . و الجنّة : ما استترت به من سلاح ، و لفظه مستعار . و قوله : و لا يغدر ، الى قوله : المرجع : لانّ علمه بكيفية المعاد الى اللّه يستلزم إمتناعه مما يبعد منه من رذيلة الغدر و نحوها . و خصّ الغدر بالذكر : لانّه في معرض مدح الوفاء .

و الضّد تظهر حسنه الضّد و قوله : و لقد ، الى قوله الحيلة : ذلك لعدم تمييز اكثرهم بين الغدر و الكيس

-----------
( 1 ) في ش هذه الكلمة ساقطة .

[ 150 ]

لاشتراكهما في التفطّن لوجه الحيلة و الخداع ، و انّ تمييز الغدر بانّه استعمال الفطنة في تحصيل وجه حيلة يخالف القانون الشرعى و المصلحة العامة . و الكيّس يتميّز باستعمال الذكاء في استخراج وجوه المصالح التى تنبغى و الوقوف عليها ، و نسبة الناس لهم الى الكيس ، و حسن الحيلة كما نسب عمرو بن العاص و معاوية ، و لم يعلموا انّه لا خير في حيلة جرت الى الرّذيلة . و قتال اللّه لهم : ابعادهم عن رحمته . و الحول القلب :

كثير التحوّل و التقلّب في استنباط الآراء الصّالحة و وجوه المصالح ، و اراد نفسه فانّ فطنته في ذلك اتمّ الفطن لكن محافظته على حدود اللّه تحجزه عن كثير من التصرّف ،

فيترك الحيلة رأى عينه خوفا من اللّه . و انتهاز الفرصة : المبادرة الى الامر وقت امكانه .

و الحريجة : التحرّز من الحرج ، و هو الاثم .