41 و من كلام له عليه السّلام

أيّها النّاس ، إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان : اتّباع الهوى ، و طول الأمل ، فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ ، و أمّا طول الأمل فينسى الآخرة ، ألا ، و إنّ الدّنيا قد ولّت حذّاء ، فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء اصطبّها صابّها ، ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت و لكلّ منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، و لا تكونوا أبناء الدّنيا فإنّ كلّ ولد سيلحق بأمّه يوم القيامة ، و إنّ اليوم عمل و لا حساب ، و غدا حساب و لا عمل . نفّر عن اتّباع الهوى و طول الأمل ، بضميرين صغرى الاوّل ، قوله : و امّا الى قوله :

الحقّ ، و هو : طاعة اللّه . و صغرى الثانى قوله : و امّا ، الى قوله : الآخرة . و أراد طول الأمل فى الدنيا و تقدير الكبرى فيهما ، و كل ما كان كذلك فالواجب تركه ، و من الصغريين يتبيّن انّهما اخوف ما ينبغى ان يخاف . و حذّاء : خفيفة مسرعة 1 لا يتعلّق احد منهما بشى‏ء .

و الصّبابة : بقيّة الماء في الاناء ، و استعار لفظها : لما بقى لكلّ من الدّنيا . و لفظ « البنون » :

للنّاس ، و لفظ « الامّ » : للدّنيا و الآخرة ، باعتبار رغبة أهل الدّنيا إليها و اهل الآخرة إليها ،

-----------
( 1 ) في ش : سبرعة .

[ 151 ]

كالولد لأمّه ، و أمرهم ان يكونوا من أهل الآخرة لأنّها افضل ، و هو ناصح مشفق ، و نبّه على ذلك بضمير صغراه قوله : فانّ الى قوله : القيامة .

و لما كانت الدّنيا يومئذ بمعزل 1 عن الخلق : كان اختيارها سفها لاستلزام ذلك عزبة أهلها ، و شقاؤهم ببعدها ، و تقدير الكبرى و كلّ من سيلحق بأمّه يوم القيامة فلا بدّ أن يستعدّ لها بما يقرّبه منها ، و يصلح حاله معها ليأمن سوء الحضن 2 و يزول عنه بؤس الغربة .

و كنّى باليوم : عن مدّة الحياة ، و بغد : عمّا بعدها . و اليوم اسم انّ و خبرها محذوف اقيم عمل مقامه‏اى : وقت العمل . و كذلك قوله : و غدا حساب : و فائدتهما التّنبيه على وقتى العمل و عدمه لغاية المبادرة اليه وقت امكانه .