48 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الّذى بطن خفيّات الأمور ، و دلّت عليه أعلام الظّهور ، و امتنع على عين البصير ، فلا عين من لم يره تنكره ، و لا قلب من أثبته يبصره : سبق في العلوّ فلا شى‏ء أعلى منه . و قرب فى الدّنوّ فلا شى‏ء أقرب منه . فلا استعلاؤه باعده عن شى‏ء من خلقه ، و لا قربه ساواهم في المكان به ، لم يطلع العقول على تحديد صفته ، و لم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الّذى تشهد له أعلام الوجود ، على إقرار قلب ذى الجحود تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به ، و الجاحدون له علوّا كبيرا . اقول : بطونه لخفيّات الأمور : نفوذ علمه تعالى فيها ، يقال : بطنت الامر اذا علمت باطنه . و اعلام ظهوره : آياته و آثاره الظّاهرة في العالم الدالّة على وجوده الظاهر في كل صورة منها كقوله تعالى : ( سَنُرِيهمْ آيتِنا فِى الآفاقِ و فِى أنْفُسِهِمْ ) 1 الآية . و كونه لا ينكره عين من لا يبصره لشهادته فطرته بحاجته الى مدبّر حكيم ، و كذلك لا يبصره قلب من اثبته اى : لا يبصره بعين حسّه او لا تدرك حقيقته ، و في هذين السّلبين : تنبيه على الفرق بين مدركات العقل ، و مدركات الحسّ ، إذ ليس كلّ معقول يجب أن يكون محسوسا ،

و السلبان : متلازمان متعاكسان ، و سبقه للاشياء في العلوّ هو : السبق بالشرف و العلّيّة دون المكان و الجهة و الزمان ، و قربه لها من دنوّه منها قربه بعلمه وجوده ، و تصريفه لها بخفىّ لطفه ، و هو اقرب الى العبد من نفسه لعلمه بهادونه ، و لم يباعده عن شى‏ء من خلقه استعلاؤه عنه ، إذ ليس علوا مكانيا و لا قربهم يساواهم في المكان به اذ ليس قربا حسيّا ، و عدم اطّلاع العقول على تحديد صفته إمّا لأنّه لا صفة له فيحدّ ، او لأنّه لا يتناهى اعتبار صفاته ، و قد سبق بيانه ، و لم يحجب العقول عن واجب معرفته ، لشهادة فطرها بوجود صانعها و هو : القدر الواجب الضّرورى لها . و لفظ اعلام الوجود مستعار لآثاره الموجودة الدّالة على وجوده ، و كمال قدرته و علمه .

و انّما قال : على اقرار قلب ذى الجحود : لانّ كثيرا من الناس ربما جحده بطريق

-----------
( 1 ) سورة فصلت 53 .

[ 157 ]

عادته او تربيته ، كالمعطّلة ، و عبدة الاصنام ، فاذا راجع قلبه او نبّه عليه عاد معترفا بوجوده .

و روى انّ زنديقا دخل على الصّادق عليه السّلام فسأله عن دليل اثبات الصّانع فأعرض عليه السّلام عنه ، ثمّ التفت إليه و سأله من أين اقبلت و ما قصّتك ؟ فقال الزنديق :

انّى كنت مسافرا في البحر فعصفت علينا الريح و تلعّبت بنا الامواج فانكسرت سفينتنا فتعلّقت بساحة منها ، و لم يزل الموج تقلّبها حتى قذفت بى الى الساحل فنجوت عليها ،

فقال له عليه السّلام : أ رأيت الّذى كان قلبك اذا انكسرت السفينة و تلاطمت عليكم الامواج فزعا اليه مخلصا له في التضرّع طالبا منه النجاة ؟ فهو إلهك ، فاعترف الزنديق بذلك ، و حسن اعتقاده و ذلك من قوله تعالى : ( و اذا مسّكم الضرّ في البحر ) 1 الآية . و باللّه التوفيق .