49 و من خطبة له عليه السّلام

إنّما بدؤ وقوع الفتن أهواء تتّبع ، و أحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب اللّه ، و يتولّى عليها رجال رجالا على غير دين اللّه ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين ، و لو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، و لكن يؤخذ من هذا ضغث ، و من هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولى الشّيطان على أوليائه ، و ينجو الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى . اقول : لما كان نظام العالم انّما هو بوجود الشرائع و السنن الالهية ، و كانت هى مبادى‏ء نظامه لزم فيما خالفها من الآراء المبتدعة و الاهواء المتّبعة ان يكون اسبابا لحراب العالم ، و مبدءا للفتن كآراء البغاة و الخوارج . و قوله : فلو ، الى آخر قوله : المرتادين : اشارة الى سبب اتّباع الناس للآراء الفاسدة و هو امتزاج الباطل بالحق ، فانّ المقدّمات اذا كانت كلها باطلة تبيّن فساد الحجة بأدنى سعي ، و لم يخف على الطالبين فسادها ، و لو انّ الحق ، الى قوله : المعاندين : و ذلك لوضوح الحق حينئذ . و الضغث : القيضة

-----------
( 1 ) سورة الاسراء 67 .

[ 158 ]

من الحشيش و نحوه ، فاستعير لفظه ، للنصيب من الحق و الباطل ، و ذلك كشبهة قتل عثمان التى تمسّك بها الناكثون ، و القاسطون ، فانّ فيها مقدّمة صادقة هى : كون امام المسلمين قتل مظلوما ، و مقدّمة كاذبة و هى : نسبة ذلك القتل اليه عليه السلام ، تارة بأنّه اجلب عليه ، و تارة بأنّه خذله ، و هنا لك اى : عند امتزاج الحق و الباطل فيستولى الشّيطان على أوليائه ، فيزيّن لهم اتباع من ينعق بتلك الشبهة و نحوها ، و ينجو من سبقت عناية اللّه له بتمييز الحق من الباطل ، و باللّه التوفيق .