51 و من كلام له عليه السّلام يجرى مجرى الخطبة

و قد تقدّم مختارها برواية و نذكرها هنا برواية اخرى لتغاير الروايتين ألا و إنّ الدّنيا قد تصرّمت و آذنت بوداع ، و تنكّر معروفها ، و أدبرت حذّاء فهى تحفز بالفناء سكّانها ، و تحدو بالموت جيرانها ، و قد أمرّ منها ما كان حلوا ، و كدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلاّ سملة كسملة الإداوة ، أو جرعة كجرعة المقلة ،

لو تمزّزها الصّديان لم ينقع ، فأزمعوا عباد اللّه الرّحيل عن هذه الدّار المقدور على أهلها الزّوال ، و لا يغلبنّكم فيها الأمل و لا يطولنّ عليكم الأمد ، فو اللّه لو حننتم حنين الولّة العجال ، و دعوتم بهديل الحمام ، و جأرتم جؤار متبتّل الرّهبان ، و خرجتم إلى اللّه من الأموال و الأولاد ، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده ، أو غفران سيّئة أحصتها كتبه ، و حفظها رسله ، لكان قليلا فيما أرجولكم من ثوابه ، و أخاف عليكم من عقابه .

و اللّه لو انماثت قلوبكم انمياثا ، و سالت عيونكم ، من رغبة إليه أو رهبة منه دما ، ثمّ عمّرتم في الدّنيا ما الدّنيا باقية ، ما جزت أعمالكم ، و لو لم تبقوا شيئا من جهدكم ، أنعمه عليكم العظام و هداه إيّاكم للإيمان . اقول : آذنت : اعلمت . و تنكّر معروفها : تغيّر ما يأنس به كلّ احد 1 منها و يعرفه و تبدّله وقتا فوقتا و حالا فحالا من صحة او جاه او مال و نحوه . و حذاء : خفيفة مسرعة لا يدركها احد ، و استعار لفظ الحفز و هو : السوق الحثيث و وصف الحذاء لها باعتبار سوقها لاهلها الى غايتهم منها و هو الموت ، و مصاحبتها لهم كالسائق و الحادى . و مرارة ما كان حلوا منها و تكدير ما كان صفوا بالقياس الى كلّ شخص من أهلها كالصحّة بالسقم ، و اللّذّة بالألم . و السملة بفتح الميم : البقية من الماء في الاناء . و المقلة بفتح الميم و سكون القاف : حصاة يقسّم بها الماء عند قلّته يعرف بها مقدار ما يسقى كل شخص .

و التّمزّز : تمصّص الماء قليلا قليلا . و الصديّان : العطشان . و نقع ينقع : سكن عطشه : و قد شبّه بقيّتها ببقيّة الماء في الاناء ، و نبّه على وجه الشبه بقوله : لو تمزّزها الصديّان لم ينقع ،

-----------
( 1 ) في ش : واحد .

[ 160 ]

و كنّى به : عن غاية قلّتها ، و قلّة البقاء فيها . و الازماع : تصميم العزم و الرحيل عنها اى :

بالسفر الى اللّه . و قوله : فو اللّه ، الى قوله : عقابه : تنبيه على عظيم ثواب اللّه و ما ينبغى ان يرجى منه ، و على عظيم عقابه ، و ما ينبغى ان يخاف منه .

و الولّه العجال جمع واله ، و عجول ، و هما : من الأبل و النوق التى تفقد اولادها . و هديل الحمامة : نوحها . و الجواز : الصوت المرتفع . و التبتّل : الانقطاع الى اللّه بالاخلاص ،

و المعنى : انّ الّذى ارجوه من ثوابه للمتقرّب اليه منكم اكثر مما يتصوّره المتقرّب اليه 1 بتقرّبه بجميع أسباب القربة . و الّذى اخافه من عقابه اكثر من العقاب الذى يتوهّم انّه يدفعه عن نفسه بذلك ، فينبغى لطالب الزيادة في المنزلة عند اللّه ان يخلص بكليّته فى التقرّب الى اللّه ، ليصل الى ما هو اعظم مما يتوهّم انّه يصل اليه من المنزلة عنده .

و ينبغى للهارب إليه من ذنبه أن يخلص في الفرار إليه ليخلص من هول ما هو اعظم مما يتوهّم انّه يدفعه عن نفسه بوسيلة ، فانّ الامر فيما يرجى و يخاف من امر الآخرة اعظم مما يتصوّره عقول البشر ما دامت في عالم الغربة . و قوله : و تاللّه ، الى آخره . تنبيه على عظمة نعمته تعالى على الخلق ، و انّه لا يمكن جزاؤها بأبلغ السعى . و إنماثت قلوبكم :

ذابت خوفا منه . و الغمة : مفعول جزت ، و هداه في محل النصب عطفا عليه ، و افرد الهدى بالذكر و ان كان من انعم اللّه لشرفه اذ هو المقصود من كل نعمة افاضها اللّه تعالى على عباده .