60 و من خطبة له عليه السّلام

ألا و إنّ الدّنيا دار لا يسلم منها إلاّ فيها ، و لا ينجى بشى‏ء كان لها : ابتلى النّاس بها فتنة فما أخذوه منها لها أخرجوا منه ، و حوسبوا عليه و ما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه

-----------
( 1 ) في نسخة ش : القتل

-----------
( 2 ) الشرح الكبير لابن ميثم 2 156 .

[ 168 ]

و أقاموا فيه ، فإنّها عند ذوى العقول كفى‏ء الظّلّ : بينا تراه سابغا حتّى قلص ، و زائدا حتّى نقص . أقول : لا يسلم منها الاّ فيها أى : لا يسلم من عذاب اللّه عليها في الآخرة الاّ بما فعل فيها من الأعمال الصالحات ، و الّذى يكون لها هو ما يقتنى منها للإستمتاع به ، و الإلتذاذ بنفعه لانّه هو دون الوصول به الى الآخرة ، و ظاهر انّ ذلك لا يكون به نجاة في الآخرة ،

و الابتلاء بها اختبار المطيع من العاصى ، و ليس المراد منه انّ اللّه تعالى لا يعلم ما تؤل اليه أحوال العباد ، لأنّه يعلم السرّوا خفى ، بل لما كانت الشرائع الالهية جاذبة للخلق عنها الى الغاية الّتى خلقوا لها ، و كانت محاضر لذّاتها جاذبة لهم بحسب نفوسهم الأمّارة اليها ،

فمن اطاع داعى اللّه و صوارفه عنها فاز فوزا عظيما ، و من اتّبع هواه بغير هدى من اللّه خسر خسرانا مبينا ، أشبه ذلك صورة ابتلاء من اللّه لخلقه بها فاستعير لذلك ، وصف الابتلاء ، و لفظ الفتنة و ما أخذ منها لغيرها هو ما يقصد به وجه اللّه و الدار الآخرة من مال يتصدّق و يصرف في سبيل اللّه ، أو جاه او عمل للّه ، و ليس ما يقدمون عليه في الآخرة هو عين ما أخذ من الدنيا ، بل ثمرته من ثواب اللّه و متاع الآخرة ، و شبهها في شرعة زوالها عند ذوى العقول الناظرين اليها ، باعين بصائرهم بفى‏ء الظّلّ ، و اشار الى وجه الشبه ، بقوله : بينا الى آخره . و اصل بينابين بمعنى : الوسيط فاشبعت الفتحة فحدثت ألف ، و قد تزاد فيها ما ،

و المعنى واحد . و قلص : نقص . و باللّه التوفيق .