62 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الّذى لم يسبق له حال حالا ، فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا ، و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ، و كلّ عزيز غيره ذليل ، و كلّ قوىّ غيره ضعيف ، و كلّ مالك غيره مملوك ، و كلّ عالم غيره متعلّم ، و كلّ قادر غيره يقدر و يعجز ، و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات ، و يصمّه كبيرها ، و يذهب عنه ما بعد منها ، و كلّ بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان و لطيف لأجسام ، و كلّ ظاهر غيره غير باطن ، و كلّ باطن غيره غير ظاهر ، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ، و لا تخوّف من عواقب زمان ، و لا استعانة على ندّ مثاور ، و لا شريك مكابر ، و لا ضدّ منافر ، و لكن خلائق مربوبون ، و عباد داخرون ، لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن ، و لم ينأ عنها فيقال هو منها بائن لم يؤده خلق ما ابتدأ و لا تدبير ما ذرأ ، و لا وقف به عجز عمّا خلق ، و لا و لجت عليه شبهة فيما قضى و قدّر . بل قضاء متقن ، و علم محكم ، و أمر مبرم : المأمول مع النّقم ، و المرهوب مع النّعم . اقول : لما ثبت انّ السبق و القبلية ، و التأخر و البعدية ، من لواحق الزمان لذاته و من لواحق الزمانيات بواسطته و كان تعالى منزّها عن لحوق الزمان في ذاته ، و كمال صفاته لا جرم لم يلحقه شى‏ء من اعتبار القبلية و البعدية فلم يجز ان يقال مثلا كونه عالما قبل كونه قادرا ، و لا كونه حيا قبل كونه عالما ، بقى أن يقال انّ القبلية و البعدية قد يطلقان باعتبار آخر كالقبلية بالشرف ، و الفضيلة ، و الذات ، و العلية لكن قد بيّنا في الخطبة الاولى انّ كل

[ 171 ]

ما يلحق ذاته المقدّسة من الصفات اعتبارات ذهنية تحدثها العقول ، عند مقايسته الى مخلوقاته و لا سبق لشى‏ء منها على الآخر ، بالنظر الى ذاته المقدّسة و الاّ لكانت كمالات قابلة للزيادة و النقصان ، و بعضها علة للبعض و اشرف ، و بعضها معلول بعض و انقص بالنظر الى ذاته و ذلك من لواحق الامكان هذا خلف ، و ذلك سرّ قوله عليه السّلام : الّذى لم يسبق له حال حالا : الى قوله : باطنا ، بل معنى اوليّته هو اعتبارنا كونه تعالى مبدأ لكل موجود ، و آخريته هو اعتبارنا لكونه غاية لكلّ ممكن او استحقاقه البقاء لذاته ، و استحقاق غيره له ببقائه تعالى و هذه الاعتبارات بالنظر الى ذاته تعالى على سواء .

و قوله : كل مسمّى بالوحدة غيره قليل ، يريد : انّه لا يوصف بالقلّة و ان كان واحدا و ذلك أنّ الواحد يقال لمعان ، و المشهور منها هو : كون الشى‏ء مبدأ لكثرة يكون عادّا لها و مكيالا ، و هو الّذى تلحقه القلّة و الكثرة الاضافيتين ، فانّ كلّ واحد بهذا المعنى قليل بالنّسبة الى الكثرة الّتى يصلح ان يكون مبدأ لها ، و المتصوّر لاكثر النّاس كونه تعالى واحدا بهذا المعنى ، فلذلك نزّهه عليه السّلام عنه بذكر لازمه و هو القليل لظهور بطلان هذا اللازم في حقه تعالى ، و استلزام بطلانه بطلان الملزوم المذكور ، و ذلّة الاعزّاء غيره لدخولهم تحت الحاجة اليه ، و ضعف كلّ قوىّ غيره لدخوله تحت قهر قدرته التّامّة ،

و مملوكية كلّ مالك غيره لدخوله تحت الملك المطلق الّذى تنفذ مشيئة مالكه في جميع الموجودات باستحقاق دون غيره ، و تعلم كل عالم غيره لكون كل عالم مستفادا من فيض جوده ، و هو العالم المطلق الّذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات و لا فى الارض ، و عجز غيره عن بعض الاشياء يشهد بكمال قدرته ، و انّها مبدأ قدرة كل قادر .

و كونه تعالى سميعا يعود الى علمه تعالى بالمسموعات لتنزّهه عن الآلة التى من شأنها أن تصم ، لانّ ادراكها للصوت على قرب و بعد ، و حدمّن القوّة و الضعف مخصوص فانّه ان كان الصوت ضعيفا جدّا او بعيدا جدّا لم يصل الى الصماخ فلم تدركه القوّة السامعة ،

فلذلك كانت تصمه عن لطيف الاصوات ، و يذهب عن السامع ما بعد منها و ان كان في غاية من القوّة و القرب ، فربما اشتدّ قرعه للصماخ فتفرق اتصال الروح الحامل لقوة السمع عنه ، بحيث يبطل استعدادها لتأدية الصوت و يحدث الصمم فلذلك قال : و يصمه كبيرها .

و بحسب تنزّهه تعالى عن هذه الآلة لم يعزب عنه ما خفى من الاصوات و لم يذهب عليه

[ 172 ]

ما بعد منها ، و لم تلحقه لواحقها من الصّمم و النقصان ، و خفى الألوان مثلا كاللون فى الظلمة .

و اللطيف قد يراد به : عديم اللون كالهواء ، و قد يراد به رقيق القوام كالذرّة و هو غير مدرك بالمعنيين للحيوان ، و اطلق اسم العمى : على عدم الابصار مجازا ، و لما كان كونه تعالى بصيرا يعود إلى علمه بالمبصرات لم يعزب عنه شى‏ء منها و ان خفى على غيره ، و لطف و لم تلحقه من لواحق الآلات آفة ، كالعمى و نحوه . و قوله : و كل ظاهر ، الى قوله :

غير ظاهر ، يريد : انّه تعالى هو المتفرّد بالجمع بين وصفى البطون و الظهور ، دون غيره و قد بيّنا معناهما في الأصل . و قوله : و لم يخلق ، الى قوله : منافر : لانّه تعالى لا يفعل لغرض ، و تشديد السلطان : تقويته . و النّد : المثل . و المثاور : المواثب . و داخرون : ذليلون و برهان كونه تعالى غير حالّ في شى‏ء ، و لا مباين قد سبق في الخطبة الاولى . و آده يؤده : اثقله اى لم يثقله تدبيره للاشياء على وجه الحكمة ، و لم تعرض له شبهة فيما قضى اى : حكم به فى خلقه لتنزّه علمه عن عوارض القوى البشريّة التى هى منشأ الشكوك و الشبهات .

و ولجت : دخلت . و المبرم : المحكم . و قوله : المأمول ، الى قوله : النعم : ايماء الى تنزيهه تعالى عن حالة البشرية ، فانّ المنتقم من الناس حين انتقامه لا يكون مأمولا و حال نعمته لا يكون مرهوبا .