63 و من كلام له عليه السّلام كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين

معاشر المسلمين ، استشعروا الخشية ، و تجلببوا السّكينة ، و عضّوا على النّواجذ ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام ، و أكملوا اللاّمة ، و قلقلوا السّيوف في أغمادها قبل سلّها ، و الحظوا الخزر ، و اطعنوا الشّزر ، و نافحوا بالظّبا ، و صلوا السّيوف بالخطا . و اعلموا أنّكم بعين اللّه ، و مع ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فعاودوا الكرّ و استحيوا من الفرّ فإنّه عار فى الأعقاب ، و نار يوم الحساب ، و طيبوا عن أنفسكم نفسا و امشوا إلى الموت مشيا سجحا ، و عليكم بهذا السّواد الأعظم ، و الرّواق المطنّب ، فاضربوا ثبجه ، فإنّ الشّيطان

[ 173 ]

كامن في كسره ، قد قدّم للوثبة يدا ، و أخّر للنّكوص رجلا ، فصمدا صمدا حتّى ينجلى لكم عمود الحقّ ( و أنتم الأعلون ، و اللّه معكم ، و لن يتركم أعمالكم ) . أقول : قد اشتملت هذه الأوامر على تعليم كيفية الحرب ، و بدأ بالامر باستشعار خشية اللّه اى : اتّخاذها شعارا ، و الشعار : ما يلى الجسد من الثياب و استعار وصف تجلبب السكينة : للتلبّس بها كالجلباب و هى : الملحفة ، و فائدته طرد الفشل و ارهاب العدوّ . و النواجذ : أقصى الاضراس و فائدة العض عليها ، نبو السيف عن الهامة ليصلب عضل الرأس و مقاومته حينئذ للضربة . و اللّأمة بوزن فعلة : الدرع و اكمالها بالبيضة و السواعد ، و يحتمل ان يراد بها جميع آلة الحرب و الغرض شدّة التحصن . و فائدة قلقلة السيوف في اغمادها . سهولة سلها : وقت الحاجة اليها . و لحظ الخزر : من امارات الغضب و الحمية ، و فائدته اخذ الغرّة من العدوّ . و الشزر بسكون الزاء و هو : الطعن على غير استقامة بل يمينا و شمالا ، فائدته توسعة المجال للطاعن . و المنافحة بالضبى : التناول باطراف السيوف و فائدته توسعة المجال ايضا ، فانّ القرب من العدوّ تمنع من ذلك . وصلة السيوف بالخطا ، و فائدته انّ السيف قد يكون قصيرا فيطول بالخطوة و مدّ اليد و لانّ فيه الاقدام على العدوّ و الزحف اليه ، و ذلك مما يوجب له الانفعال و التاخّر ، و فيه قول الشاعر :

اذا قصرت أسيافنا كان وصلها
خطانا الى اعدائنا فنضارب

و كونهم بعين اللّه اى : بحيث يراهم ، و يعلم ما يفعلون . و قوله : و طيبوا عن انفسكم نفسا : تسهيل للموت عليهم بما يستلزمه من الثواب الاخروىّ . و النفس الاولى الشخص الزائل بالموت ، و النفس المنصوبة على التمييز المدبّرة للبدن . و سمحا : سهلا . و السواد الأعظم : جماعة اهل الشام . و الرواق المطنّب : مضرب كالفسطاط لمعاوية و كان يومئذ فى مضرب عليه قبّة عالية باطناب عظيمة ، و حوله من اهل الشام مائة الف كانوا تعاهدوا على ان لا ينفرجوا عنه حتّى يقتلوا . و ثبجه : وسطه و أراد بكمون الشيطان في كسره : كونه مظنّة الشيطان اذ ضرب على طاعته و معصية اللّه . و قيل : استعار لفظه لمعاوية باعتبار اغوائه للخلق ، و كنّى بقوله : قد قدّم ، الى قوله : اخرى : عن كونه متردّدا في أمره ، و على غير يقين في قتاله ، فهو في مظنّة ان يرجع و يهرب . و كسر البيت : جانبه . و الصمد :

[ 174 ]

القصد اى : اقصدوا العدوّ قصدا حتى يتبيّن لكم انّ الحق معكم بنصركم على عدوّكم اذ الطالب لغير حقّه سريع الانفعال قريب الفرار في مقاومته ، و لن يتركم اى : ينقصكم .