68 و من خطبة له عليه السّلام فى ذم أهل العراق

أمّا بعد يا أهل العراق فإنّما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلمّا أتمّت أملصت ، و مات قيّمها ، و طال تأيّمها ، و ورثها أبعدها أما و اللّه ما أتيتكم اختيارا ، و لكن جئت إليكم سوقا ، و لكنّى بلغنى أنّكم تقولون : علىّ يكذب قاتلكم اللّه ، فعلى من أكذب ؟ أعلى اللّه ؟ فأنا أوّل من آمن به أم على نبيّه ؟ فأنا أوّل من صدّقه ، كلاّ و اللّه ، و لكنّها لهجة غبتم عنها و لم تكونوا من أهلها . و يلمّه ؟ كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء ( و لتعلمنّ نبأه بعد حين ) . اقول : هذا الكلام منه بعد حرب صفين . و املصت المرأة : اسقطت . و الأيم : التى لا بعل لها ، و وجه تمثيلهم بالمرأة الموصوفة ما فيه من تشبّهات حالهم بحالها ،

فاستعدادهم لحرب اهل الشام يشبه حمل المرأة ، و مشارفتهم للظفر يشبه الأيم . فانّ مالك الاشتر رحمه اللّه شارف دمشق صبيحة ليلة الهرير ليدخلها من غير حرب لو لا خدعة معاوية و قومه برفع المصاحف ، و انخداع اصحابه عليه السّلام ، و رجوعهم عن عدوّهم بعد ظفرهم به ، يشبه الاملاص و خروجهم عن رأيه عليه السّلام ، و تفرّقهم عليه يشبه موت

[ 178 ]

قيّمها ، و هو زوجها المستلزم لذلّها و عجزها ، و اخذ عدوّهم مالهم من البلاد ، و تغلّبه عليها يشبه ميراث الأبعد لها . و اشار بسوقه اليهم الى حكم القضاء الالهى عليه بذلك ، او الى اكراههم له على البيعة بعد امتناعه منها كما وصفه غير مرّة و ما بلغه من تكذيبهم له ، فهو كلام منافقى اصحابه فانّهم كانوا يكذّبونه في بعض ما كان يخبرهم من الامور المستقبلة .

روى انّه لما قال : لو كسرت لى الوسادة لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم ، و بين اهل الانجيل بانجيلهم ، و بين أهل الزبور بزبورهم و بين اهل الفرقان بفرقانهم ، و اللّه ما من آية نزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل و لا سماء و لا أرض الاّ و أنا أعلم فيمن نزلت و في اىّ شى‏ء انزلت . قال رجل من تحت المنبر : يا للّه ، و للدعوى الكاذبة .

و قوله : و لكنّها ، الى آخره : اشارة 1 الى مجمل كلامه ، و انّه غير ما ادّعوه من الكذب و اللهجة و اللسان و القول الفصيح . و اشار بقوله : غبتم عنها : الى انفراده عليه السّلام بسماعها من الرسول صلى اللّه عليه و آله ، و لم يكونوا من اهلها الى ان الاستعداد لفهم مثل ذلك و سماعه طور آخر وراء عقولهم الضعيفة انّما حصلت لمثله عليه السّلام ، و حاله مع هؤلاء مختصرة من حال الرسول صلى اللّه عليه و آله مع منافقى قومه . و قوله : ويل امّة :

كلمة يقال للاسترحام ، و قيل : للتعجّب من الأمر و اصلها الدعاء على الامّ تفقد ولدها و ترحّم لها عند ذلك . و قوله : كيلا بغير ثمن : اشارة الى ما يلقيه اليهم من الحكم البالغة و التعليم النافع لا يريد به جزاء ثم لم يفقهوه فلذلك تعجّب منهم . و 2 كيلا مصدر اى :

اكيل لهم العلم ، و الهداية كيلا بغير ثمن لو كان فيهم من يعيه و يفهمه . و قوله : و لتعلّمن ،

الآية : فى معرض التهديد بثمرة الجهل و التثاقل عن المسارعة الى دعوته .