76 و من كلام له عليه السّلام

قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج ، فقال له : يا أمير المؤمنين ،

إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك ، من طريق علم النجوم .

فقال عليه السّلام :

أ تزعم أنّك تهدى إلى السّاعة الّتى من سارفيها صرف عنه السُّوء ؟ و تخوّف من السّاعة الّتى من سار فيها حاق به الضّرّ ؟ فمن صدّق بهذا فقد كذّب القرآن ، و استغنى عن الإعانة باللّه في نيل المحبوب و دفع المكروه ، و تبتغى في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربّه ، لأنّك بزعمك أنت هديته إلى السّاعة الّتى نال فيها النّفع و أمن الضّرّ ثم أقبل عليه السّلام على الناس فقال :

أيّها النّاس ، إيّاكم و تعلّم النّجوم ، إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر ، فإنّها تدعو إلى الكهانة ، و المنجّم كالكاهن ، و الكاهن كالسّاحر و السّاحر كالكافر و الكافر فى النّار ، سيروا على اسم اللّه . اقول : روى انّ المشير عليه بذلك كان عفيف بن قيس أخا الاشعث بن قيس [ 1 ] ، و

[ 1 ] عفيف الكندي . . . ابن عم الاشعث بن قيس ، و قيل : عمه ، و قيل : اخوه و الاكثر انه ابن عمه و اخوه لامه .

و قال الطبرى : اسمه شرجبيل و عفيف لقب . الاصابة 2 487 ترجمة 5586 .

[ 186 ]

كان يتعاطى علم النجوم ، و اعلم انّه يعقل من نهى الشريعة عن تعلّم النجوم امران :

احدهما ، انّ اكثر المشتغلين بها و الطالبين لمعرفة احكامها يعتمدون فيما يرجون و يخافون عليها و يفزعون الى ملاحظة اوقاتها ، فينقطعون بذلك عن الالتفات الى اللّه تعالى و الفزع اليه ، و ذلك عمّا يضاد مطلوب الشارع اذ كان غرضه الاوّل ليس الاّ دوام التفات الخلق اليه .

الثانى ، انّ الاخبار منها عمّا سيكون في المستقبل يشبه علم الغيب ، و اكثر الخلق من العوام لا يميّزون بينهما فيكون ذلك سببا لضلال الخلق ، و ضعف اعتقادهم فى المعجزات ، اذ الاخبار من الانبياء عليهم السّلام عما يكون منها و يستلزم تشكيكهم في قوله تعالى : ( قل لا يعلم من في السموات و الارض الغيب الاّ اللَّه ) 1 و كان هو السبب في تحريم الكهانة و السحر ايضا ، و العقل ايضا يطابق الشرع في تكذيب المنجّم في كثير من احكامه ، فانّه قد ثبت في القواعد العقلية انّ كل كائن فاسد في هذا العالم فلا بدّله من اسباب اربعة : فاعلىّ : و غائىّ ، و قابلىّ ، و صورىّ . ثم القابلىّ مشروط في قبول كلّ حادث بشرائط فلكية و عنصريّة مما لا يتناهى و يمنع اطّلاع العقول البشريّة عليها ، و احاطتها بها و لانّ حساب المنجّم مبنىّ على قسمة الزمان بالشهر و اليوم و الساعة و الدّرجة و اجزائها و تقسيم الحركة بأزائها و رفعة بينهما نسبة عدديّة . و كلّ ذلك امور غير حقيقيّة و انّما يوجد على سبيل التقريب ، اقصى ما في الباب انّ التفاوت بينهما لا يظهر في المدد المتقاربة لكنّه يشبه ان يظهر في المدد المتباعدة و مع تجويز التفاوت كيف يمكن الحكم كليّا او جزئيا ؟ اذا عرفت ذلك فنقول :

انّه عليه السّلام الزمه فيما يدعيّه الزامات شنيعة نفّر بها عن قبول قوله :

احدها قوله فمن صدّقك الى قوله : القرآن و هو : صغرى ضمير تقدير كبراه ، و كلّ من كذّب القرآن : كان كاذبا بيان تكذيبه انّ المنجّم اذا ادعىّ انّه سيقع كذا في وقت كذا كان ذلك مكذوبا لقوله : ( و ما تدرى نفس ما ذا تكسب غداً ) 2 الآية .

الثانى ، استغناء مصدّقه عن الاستعانة باللّه ، فيما يهمّه من مخوف او مرجوّ و ذلك

-----------
( 1 ) سورة النمل 65

-----------
( 2 ) سورة لقمان 34 .

[ 187 ]

لانّه يفزع اليه في ذلك دون اللّه تعالى .

الثالث انّه يصير الاولى بمصدّقه ان يوليه الحمد دون اللّه تعالى ، لانّه بزعمه هداه الى نفعه و ضرّه ، و استثنى مما نهى عنه من تعلّمها ما يهتدى به في برّ او بحر لانّ ذلك مما منّ اللّه تعالى به على عباده في قوله : ( و هو الّذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ و البحر ) 1 الآية . و قوله : ( لتعلموا عدد السنين و الحساب ) 2 .

و قوله : فانّها ، الى آخره : تعليل للتحذير عن تعلّمها و نفر عنها بقياس مفصول مستنتج منه انّ المنجّم في النار . و امّا معنى الكاهن و الساحر : فاعلم انّ من النفوس نفوسا تقوى على الاطّلاع على ما سيكون و على التصرّفات العجيبة في هذا العالم فتلك النفس ان كانت كاملة خيّرة مجذوبة من اللّه تعالى ، بدواعى السلوك اليه فهى نفوس الانبياء و الاولياء ذوات المعجزات و الكرامات . و ان كانت ناقصة شرّيرة منجذبة عن تلك الجهة طالبة لتلك المرتبة بل مقصّرة على رذائل الاخلاق و خسائس الامور كالتكهّن و نحوه ،

فهى نفوس الكهنة و السحرة و اكثر ما تظهر هذه النفوس القويّة في اوقات الانبياء و قبيل ظهورهم فانّها تدعوا الى الكهانة اى : يقصد قصدها لانّ المنجّم يتشبه بالكاهن في اخباره مما سيكون ، و يتميّز الكاهن عن المنجّم بانّ ما يقوله عن قوّة نفسانية منه بخلاف المنجّم ، و ذلك ادعى الى فساد اذهان الخلق و اغوائهم لزيادة اعتقادهم فيه .

و امّا الساحر فيتميّز عن الكاهن بانّ له قوّة على التأثير في امر خارج عن بدنه آثارا خارجة عن الشريعة مؤذية للخلق و نافعة كالتفريق بين الزوجين و نحوه ، و تلك زيادة شرّ آخر على الكاهن ادعى الى فساد اذهان الناس و زيادة اعتقادهم فيه ، و انفعالهم عنه خوفا و رغبة . و الكافر يتميّز عن الساحر بالبعد الاكثر عن اللّه تعالى ، و حينئذ صار الضلال و الفساد مشتركا بين الاربعة الاّ انّه مقول عليهم بالاشدّ ، و الاضعف . فالكافر أقوى من الساحر ، و الساحر اقوى من الكاهن ، و الكاهن اقوى من المنجّم ، فلذلك جعل عليه السّلام الكاهن اصلا في تشبيه المنجّم به ، و الساحر اصلا في تشبيه الكاهن به ،

و الكافر اصلا في تشبيه الساحر به ، و ظهر من ذلك انّ وجه التشبيه في الكلّ هو ضلالهم و

-----------
( 1 ) سورة الانعام 97

-----------
( 2 ) سورة يونس 5 .

[ 188 ]

اضلالهم للخلق . و روى انّه عليه السّلام سار في تلك الساعة الى الخوارج و كان من ظفره بهم ما هو مشهور .