79 و من كلام له عليه السّلام في صفة الدنيا

ما أصف من دار أوّلها عناء ، و آخرها فناء ، فى حلالها حساب ، و في حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، و من افتقر فيها حزن ، و من ساعاها فاتته ، و من قعد عنها و اتته ، و من أبصر بها بصّرته ، و من أبصر إليها أعمته . ( قال الشريف : اقول : و اذا تأمل المتأمل قوله عليه السّلام « من أبصر بها بصرته » وجد تحته من المعنى العجيب و الغرض البعيد مالا تبلغ غايته و لا يدرك غوره ، و لا سيما اذا قرن اليه قوله « و من أبصر اليها أعمته » فإنه يجد الفرق بين « أبصر بها » و « أبصر اليها » واضحا نيّرا و عجيبا باهرا . )

[ 190 ]

اقول : العناء : التعب و قد ذكر الدنيا في معرض ذمّها و التفسير عنها اوصافا عشرة :

اوّلها اشارة الى زمان الوجود فيها ، و عناء الانسان فيها ظاهر . و الفتنة : الابتلاء و هو من لوازم الغنى فيها ، و مساعاتها : استعارة كانّه مع حرص طالبها عليها و تعسّرها عليه كالهاربة منه سعيا و هو ساع في طلبها ، و اقوى اسباب فواتها لطالبها انّ اكثر ما يكون تحصيلها بمنازعة اهلها ، و مجاذبتهم ايّاها ، و ذلك مما يوجب تفويت بعضهم لها على بعض . و لما كان هذا السبب مفقودا في حق من قعد عنها كان فواتها اقليّا له ، و فواتها و امكانها اكثريّا كما في حق الزاهدين فيها ، و اقبال الخلق و التقرّب بها اليهم . و قوله : و من أبصر بها بصرته ، اى : من جعلها سبب هدايته ، و محلّ ابصاره بعين عقله ، استفاد منها البصر و الهداية . و قوله : من ابصر اليها اعمته ، اى : من مدّ اليها بصر بصيرته محبة لها اعمته عن ادراك انوار اللّه ، و هو كقوله تعالى : ( لا تمدّن عينيك الى ما متّعنابه ازواجا منهم ) 1 الآية و قد ظهر الفرق بين قوله : ابصر بها ، و ابصر اليها .

و مدح السيد لهذا الفصل ظاهر الصدق و باللّه التوفيق .