الفصل الأوّل

قوله :

الحمد للّه الّذى علا بحوله ، و دنا بطوله ، مانح كلّ غنيمة و فضل ، و كاشف كلّ عظيمة و أزل أحمده على عواطف كرمه ، و سوابغ نعمه ، و أومن به أوّلا باديا ، و أستهديه قريبا هاديا ، و أستعينه قادرا قاهرا ، و أتوكّل عليه كافيا ناصرا ، و أشهد أن لا إله الاّ اللّه الّذى رفع السّماء فبناها و سطح الأرض فطحاها و لا يؤده حفظهما و هو العليّ العظيم ، و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله عبده و رسوله ، أرسله لإنفاذ أمره ، و إنهاء عذره ، و تقديم نذره .

-----------
( 1 ) سورة الحجر 88 .

[ 191 ]

أقول : لما تنزّه اللّه تعالى عن العلوّ المكانى ، كما سبق فهو العلىّ باعتبار كونه ربّ كلّ شى‏ء و موجده ، و هو باعتبار يلحقه بالقياس الى كلّ موجود صدر عن قدرته و قوّته ،

فلذلك نسب علوّه الى حوله ، اذ ليس دنوّه مكانيّا فهو باعتبار قربه المعقول من خلقه بحيث يشاهدونه في صور طوله ، و هو : فضله و هيبته لكل مستحق ما يليق به . و المنحة : العطية .

و الأزل : الشدّة . و عواطف كرمه هى : آثاره الخيريّة التى تعود على عبيده مرة بعد اخرى ،

و اوّلا باديا : حالان ، اما من ضمير الفاعل ، و هو الاظهر و يكون باديا مهموزا ، و المعنى :

انّى اوّل ما ابدأ بايمانى به ، و امّا من الضمير المجرور و باديا ظاهرا و ظاهر كون اوّليته ، و مبدأيته لخلقه و ظهوره لعقولهم في جميع آثاره مبدأ الايمان به ، و التصديق بالهيّته ،

و كذلك كونه قريبا من عباده ، هاديا لهم مبدأ الطلب : الهداية منه ، و قهره ، و قدرته :

مبدأ للاستعانة به ، و كفايته اى : كونه معطيا لكل مستحق من خلقه ما يكفى استحقاقه ، و استعداده . و نصره لعباده : سبب توكّلهم عليه ، و عذره : ما يشبه الاعذار الى الخلق من النصائح الالهية لهم . و نذره : تخويفه بالوعيد و ظاهر كون انفاذ اوامر اللّه مع الاعذار و الانذار اغراضا للبعثة .