الفصل الثالث

حتى اذا تصرّمت الأمور و تقضّت الدّهور ، و أزف النّشور أخرجهم من ضرائح القبور ،

و أوكار الطّيور ، و أوجرة السّباع و مطارح المهالك ، سراعا الى أمره ، مهطعين الى معاده رعيلا صموتا ، قياما صفوفا ، ينفذهم البصر و يسمعهم الدّاعى ، عليهم لبوس الاستكانة ،

و ضرع الاستسلام و الذّلّة قد ضلّت الحيل ، و انقطع الأمل ، و هوت الأفئدة كاظمة ، و خشعت الأصوات مهينمة ، و ألجم العرق ، و عظم الشّفق ، و أرعدت الأسماع لزبرة الدّاعى إلى فصل الخطاب و مقايضة الجزاء ، و نكال العقاب ، و نوال الثّواب . و قوله : حتى اذا تصرّمت ، الى قوله : و نوال الثواب ، فاعلم انّه قد تطابقت السن

[ 193 ]

الانبياء عليهم السلام على القول بالمعاد الجسمانى ، و نطق به الكتاب العزيز و صرّح به نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه و آله ، تصريحا لا يحتمل التأويل . و امّا الحكماء فالمشهور من مذهبهم منعه لامتناع اعادة المعدوم ، و ربّما قلدّت الفلاسفة الاسلام ظاهر الشريعة فى اثباته .

قال ابن سينا : فى « كتاب الشفاء » ( يجب ان تعلم انّ المعاد منه ما هو المقبول من الشرع و لا سبيل الى اثباته الاّ من طريق الشريعة و تصديق خبر النبوّة ، و هو الّذى للبدن عند البعث ، و خيرات البدن و شروره معلومة لا تحتاج الى ان تعلم . و قد بسطت الشريعة الحقّة التى اتانا بها سيّدنا و مولانا محمد صلى اللّه عليه و آله حال السعادة و الشقاوة اللتين يحسب البدن ، و منه ما هو مدرك بالعقل ، و القياس البرهانىّ ، و قد صدّقته النبوّة و هو السعادة و الشقاوة البالغتان الثابتتان بالمقاييس اللتان للانفس و ان كانت الاوهام منّا تقصر عن تصوّرها الآن لما توضح من العلل . و الحكماء الالهيّون رغبتهم فى اصابة هذه السعادة اعظم من رغبتهم فى اصابة السعادة البدنيّة بل كانّهم لا يلتفتون الى تلك و ان أعطوها و لا يستعظمونها فى جنبة هذه السعادة التى هى مقاربة الحقّ الاوّل ) .

و اعلم انّ الّذى ذكره عليه السّلام هنا صريح فى اثبات المعاد الجسمانى و لواحقه ،

بقوله : اخرجهم ، الى قوله : المهالك : اشارة الى جمعه لاجزاء البدن بعد تشذبّها و تفرّقها ، و تأليفها كما كانت . و ازّف : دنا . و الضرائح جمع ضريح : القبور . و الاوجرة جمع و جار و هو : بيت السبع . و مهطعين : مقبلين . و رعيلا : مجتمعين . و اللبوس : ما يلبس . و الضرع : الخضوع . و كاظمة : ساكنة . و الهينمة : صوت خفىّ . و الجم : العرق بلغ موضع اللجام ، و هو كناية : عن بلوغه الافواه . و الشفق : الخوف . و الزبرة : الانتهار .

و المقايضة : المعاوضة . و النكال : تنويع العقوبة . و احتضار : طلب حضورهم بالموت .

و الاجداث : القبور . و الرفات : القنات من العظم و نحوه . و مدينون ، مجزيون . و جزاء :

مصدر نصب بما فى معنى فعله . و كذلك حسابا عن قوله : مميّزون ، و امها لهم فى طلب المخرج : تأخيرهم مدّتهم في الدنيا ليخرجوا من ظلمات الجهل و ورطات المعاصى الى نور الحق ، و متّسع الرحمة و هدايتهم سبيل المنهج ، الهامهم باصل فطرتهم و ما دلّت عليه الاعلام الواضحة من الكتب الالهية و السنن الشرعيّة على طريق اللّه سبحانه .

[ 194 ]

و لما كان من يطلب استعتابه ، و رجوعه عن غيّه ، بامهال و مداراة كانت : مهلة اللّه سبحانه لخلقه مدّة اعمارهم ليرجعوا الى طاعته ، تشبه ذلك فنزلت منزلته ، و نصب مهل على المصدر عن قوله : عمروا ، لانّ التعمير امهال . و استعار لفظ السدف : لما يغشاهم من ظلمة الشكوك و الجهالات ، و كشفها بما وهبه تعالى لهم من العقول ، و ايّدهم به من بعثة الرسل . و قوله : قد خلّو المضمار الجياد ، اى : تركوا فى الدنيا ليضمرّوا انفسهم بازواد التقوى . و استعار لفظ المضمار و رشّح بذكر الجياد و كذلك تخليتهم لرويّة الارتياد ،

اى : ليتفكّروا فى طلب ما يتخلّصون به الى اللّه . و ليتانّوا اناة المقتبس لانوار اللّه : للاستنارة بها فى مدّة آجالهم ، و محلّ اضطرابهم فى مهلتهم ، و تحصيلهم لما ينبغى من الكمالات .

و من ملك من عبيده هذه الحالات ، و افاض عليهم ضروب هذه الانعامات فكيف يليق بأحدهم ان يجاهره بالعصيان ، او يتجاسر أن يقابله بالكفران ، و صواب الامثلة : مطابقتها للمثل به او كونها من شأنها ان تفعل فى القلوب الذكية الواعية لها ، و شفاء الموعظة :

تأثيراتها فى القلوب ازالة امراض الغفلة و الجهل ، و انابة المتّعظ بها الى ربّه ،

و زكاة القلوب : استعدادها لقبول الهداية و قربها من ذلك . و وعى الاسماع : فهم القلوب عنها ، و وصفها بالوعى لقبولها الالفاظ مؤدّية لها الى قوّة الحسّ . و عزم الآراء : توجيه الهمم الى ما ينبغى و الثّبات على ذلك . و حزامة الألباب : جودة رأى العقول فيما يختاره ،

و ظاهر انّ هذه الثلاثة هى اسباب نفع الموعظة .

و قوله : فاتّقوا اللّه ، الى قوله : مقامه : امر بتقوى اللّه تقيّة من استجمع هذه الاوصاف الثمانية عشر . و اقترف : اكتسب الاثم ، و اعترف اى : بذنبه و هو انابة 1 اربابها . و وجل اى : من خوف اللّه فعمل له . و ايقن اى : بلقاء ربّه ، فاحسن اى : عمله ، اذ كان اليقين له مستلزما لحسن طاعته . و عبّر اى : رمي بالعبر فاعتبر ، و اجاب اى : دعى اللّه ، فأناب اليه بسرّه و امتثال امره ، و راجع اى : عقله فتاب من اتّباع شياطينه ، و اقتدى اى : بهدى اللّه فحذا حذوه ، و أرى الحق فظهرت لعين بصيرته طريق اللّه . فرأى اى : فعرفها فأسرع فيها طالبا لما يودّى اليه ، فنجا هاربا : من ظلمات جهله و ثمراته . فأفاد ، اى : فاستفاد بسلوكه ، ذخيرة لمعاده ، و اطاب بسلوكها سريرته : عن نجاسات الدنيا و عمّر : بما اكتسبه

-----------
( 1 ) في ش بزيادة : الى .

[ 195 ]

من الكمالات المسعدة معاده . و قوله : جهة ما خلقكم له ، اى : اتّقوه باعتبار ما خلقكم له من عرفانه ، و اجعلوا تقواكم فيه : نظرا الى تلك الجهة لا للرياء و السمعة ، وجهة : منصوب على الظرف ، و يحتمل ان يكون مفعولا به لفعل مقدّر اى : اقصدوا بتقواكم جهة ما خلقكم له ، و كنه ما حذرّكم اى : اقصدوا فى حذركم منه حقيقة تحذيره لكم من نفسه ،

و ذلك يستلزم الفحص عن حال المحذور منه . و تنجّزهم لصدق ميعاده بالاستعداد لذلك بانواع طاعته ، و باللّه التوفيق .

اقول : قوله : جعل لكم ، الى قوله : بأوقاتها : تذكر بنعمة اللّه تعالى فى خلق الابدان ،

و ما يشتمل عليه اعضاؤها من الحكمة و المنافع ، و عناها : اهمّها ، و استعار لفظ العشاء :

لعدم ادراك الابصار ادراكا يحصل منه عبرة اذ كانت فائدة خلقها ذلك و فائدة عن انّ الجلاء يستدعى مجلوا هو : العشاء ، و مجلّوا عنه هو قوّة البصر ، فاقام عليه السّلام المجلو مقام المجلو عنه ، فكأنه قال : لتجلو عن نورها عشاها . و الاشلاء جمع شلو و هو : الجسد .

و الحنو : الجانب اى : متناهية الجوانب و الاقطار ، و الارفاق : المنافع . و حواجز عافيته : ما يحجز منها عن الاسقام . و الخلاق : النصيب ، اى : ما استمتعوا به من دنياهم ، و الخناق بالكسر : حبل يخنق به ، و استعار لفظه : للأجل ، و مستفسحه : مدّة الحياة . و الارهاق :

الاعجال . و التشذّب : التفرّق . و مهّد الامر بالتخفيف و التشديد : هيّأه . و آنف الأوان : اوّل الوقت . و البضاضة : امتلاء البدن و قوّته . و الهرم : الكبر . و غضارة : العيش طيبه . و آونة :

جمع أو ان كأزمنة و زمان ، و لما كانت هذه غايات للمرء من شبابه ينتهى اليها ، اشبه المنتظر لها : اذا قصّر عما ينبغى له . و أزف : دنى . و العلز بالتحريك : كالرعدة تأخذ المريض . و الجرض : ان يبلع ريقه على هم و حزن . و الحفدة : الأعوان . و غودر : ترك .

و المعالم : الآثار . و الشجب : الهالك الناحل . و النخرة : البالية . و الأعباء : الاثقال .

و ايقانها بغيب ابنائها : تحقيقها ما كانت تجهله فى الدنيا من أحوال الآخرة و اخبارها الغائبة عنها ، او ما غاب عنها فى الآخرة من اخبار الدنيا ، و عدم استزادتهم من صالح عملها عدم صلاحيّتها لذلك ، و كذلك عدم استعتابها كقوله تعالى : ( و ان يستعتبوا فما هم من المعتبين ) 1 . و القدّة بكسر القاف و الدّال المهملة : الطريقة .

-----------
( 1 ) سورة فصلت 24 .

[ 196 ]

و اعلم انّ القول بالصراط يجب الايمان به ، و هو فى الدنيا يرجع الى الوسط بين الاخلاق المتضادّة كالحكمة بين الجهل و الجربزة ، و كالسخاء بين التبذير و البخل ،

و الشجاعة بين التهوّر و الجبن ، و العدالة بين الظلم و الانظلام ، و بالجملة الوسط الحق بين طرفى افراط و تفريط من اطراف الفضائل و هو : الطريق الى اللّه المطلوب سلوكه .

و سئل الصادق عليه السّلام عن معنى قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم ) 1 فقال :

ارشدنا للزوم الطريق المؤدّى الى محبتك ، و المبلغ دينك ، و المانع من ان نتبع اهواءنا فنعطب او نأخذ بآرائنا فنهلك 2 .

اذا عرفت ذلك ، فنقول : مزالق الصراط في الدنيا هى مظانّ الخطأ من العقل و الشهوة و الغضب ، و العبور عن فضائلها الى احد طرفى الافراط و التفريط منها ، و اهاويل زلله و هو ما يلزم ذلك العبور من عذاب اللّه ، ثم عاد الى الأمر بتقوى اللّه تقية من استجمع اوصاف الايمان ، و اراد بالفكر هنا : الفكر فى امر المعاد ، فانّه مشغل عن محبّة الدنيا و جاذب الى اللّه ، و كذلك خوف المعاد . و انصبه : اتعبه . و الغرار : النوم القليل . و اظمأ الرجاء هو :

اجر يومه كناية : عن كثرة صومه فى اشدّ اوقات الحر رجاء لما اعدّ اللّه لاوليائه ، و جعل الهواجر : مفعولا به اقامة للظرف مقام المظروف و هو احد وجوه المجاز . و ظلف بالتخفيف : منع . و اوجف : أسرع . و الوجيف ضرب من السير فيه سرعة . و المخالج : الامور القاطعة للانسان عن طاعة ربّه ، و تنكّبها عدل عنها الى الحق . و اقصد المسالك : اولاها بالقصد و هى طريق اللّه . و الفتل الصرف اى : تصرفه المغفلات الدنيويّة الصارفة عن ربّه ،

و لم تعم عليه اى : لم يجهل الشبهة من الحق . و البشرى : بشرى الملائكة يوم القيامة ( بشراكم اليوم جنّات تجرى من تحتها الانهار ) 3 . و راحة النعمى : الراحة من متاعب الدنيا بنعمى الآخرة . و اطلق لفظ النوم فى قوله انعم : نومه على راحته فى الجنة اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه . و معبر العاجلة : طريق الدنيا . و اكمش فى مهل اسرع الى طاعة ربّه ايام مهله . و رغب فى طلب اى : كانت رغبته فيما عنده مقرونه بطلبه له . و ذهب اى :

-----------
( 1 ) سورة الفاتحة 6

-----------
( 2 ) تفسير نور الثقلين 1 21 . تفسير الميزان 1 37 . تفسير فاتحة الكتاب 28 . تفسير التبيان 1 40

-----------
( 3 ) سورة الحديد 12 .

[ 197 ]

عن المعاصى عن هرب من خوف اللّه . و كنى باليوم و بالغد : عن الدنيا و الآخرة . و نظر قدما ، اى : لم يلتفت عن اللّه و لم يعرج على سواه ، و نسبة الاحتجاج و الخصام الى الكبائر مجاز ، و نفوذ ابليس فى الصدور و نفثه فى الآذان كناية : عن وسوسته ، و القائها فى القلوب بصورة الالفاظ و غيرها . و الموبقات : المهلكات ، و قرينته هى : النفس الناطقة . و استدراجها : اخذها بالاستغفار و الوسوسة ، و هى ايضا هيئته باعتبار احاطة المعاصى بها من قبله كما يستغلق الذهن بما عليه من المال ، و انكاره ما زيّن كقوله تعالى : ( نكص على عقبيه ، و قال : انّى برى‏ء منكم ) . منها فى صفة خلق الانسان :

عباد مخلوقون اقتدارا ، و مربوبون اقتسارا ، و مقبوضون احتضارا ، و مضمنون أجداثا ، و كائنون رفاتا ، و مبعوثون أفرادا ، و مدينون جزاء ، و مميّزون حسابا ، قد أمهلوا فى طلب المخرج ، و هدوا سبيل المنهج ، و عمّروا مهل المستعتب ، و كشف عنهم سدف الرّيب ، و خلّوا لمضمار الجياد و رويّة الارتياد ، و أناة المقتبس المرتاد فى مدّة الأجل ، و مضطرب المهل .

فيالها أمثالا صائبة ، و مواعظ شافية لو صادفت قلوبا زاكية ، و أسماعا واعية ، و آراء عازمة ، و ألبابا حازمة ، فاتّقوا تقيّة من سمع فخشع ، و اقترف فاعترف ، و وجل فعمل ، و حاذر فبادر ، و أيقن فأحسن ، و عبّر فاعتبر ، و حذّر فازدجر ، و أجاب فأناب ، و رجع فتاب ،

و اقتدى فاحتذى ، و أرى فرأى ، فأسرع طالبا ، و نجاهاربا ، فأفاد ذخيرة ، و أطاب سريرة ،

و عمّر معادا ، و استظهر زادا ليوم رحيله ، و وجه سبيله ، و حال حاجته ، و موطن فاقته ، و قدّم أمامه لدار مقامه . فاتّقوا اللّه عباد اللّه جهة ما خلقكم له ، و احذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه ، و استحقّوا منه ما أعدّ لكم بالتّنجّز لصدق ميعاده ، و الحذر من هول معاده .

جعل لكم أسماعا لتعى ما عناها و أبصارا لتجلو عن عشاها ، و أشلاء جامعة لأعضائها ملائمة لأحنائها : فى تركيب صورها ، و مدد عمرها ، بأبدان قائمة بأرفاقها ، و قلوب رائدة لأرزاقها ، فى مجلّلات نغمه ، و موجبات مننه و حواجز عافيته ، و قدّر لكم أعمارا سترها عنكم ، و خلّف لكم عبرا ، من آثار الماضين قبلكم ، من مستمتع خلاقهم ،

[ 198 ]

و مستفسح خناقهم أرهقتهم المنايا دون الآمال ، و شذّبهم عنها تخرّم الآجال ، لم يمهدوا فى سلامة الأبدان و لم يعتبروا فى أنف الأوان ، فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب الاّ حواني الهرم ؟ و أهل غضارة الصّحّة الاّ نوازل السّقم ؟ و أهل مدّة البقاء الاّ آونة الفناء مع قرب الزّيال ، و أزوف الانتقال ، و علز القلق ، و ألم المضض ، و غصص الجرض ، و تلفّت الاستغاثة بنصرة الحفدة و الأقرباء و الأعزّة و القرناء ، فهل دفعت الأقارب ، أو نفعت النّواحب ، و قد غودر فى محلّة الأموات رهينا ، و فى ضيق المضجع وحيدا ، قد هتكت الهوامّ جلدته و أبلت النّواهك جدّته ، و عفت العواصف آثاره ، و محا الحدثان معالمه و صارت الأجساد شحبة بعد بضّتها ، و العظام نخرة بعد قوّتها ، و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ، و لا تستعتب من سيّئ زللها أو لستم أبناء القوم و الآباء و اخوانهم و الأقرباء تحتذون أمثلتهم ، و تركبون قدّتهم ، و تطأون جادّتهم ؟ فالقلوب قاسية عن حظّها لاهية عن رشدها سالكة فى غير مضمارها كأنّ المعنىّ سواها و كأنّ الرّشد فى احراز دنياها .

و اعلموا أنّ مجازكم على الصّراط ، و مزالق دحضه ، و أهاويل زلله و تارات أهواله ،

فاتّقوا اللّه تقيّة ذى لبّ شغل التّفكر قلبه ، و أنصب الخوف بدنه و أسهر التّهجّد غرار نومه ، و أظمأ الرّجاء هواجر يومه ، و ظلف الزّهد شهواته ، و أرجف الذّكر بلسانه ، و قدّم الخوف لابّانه ، و تنكّب المخالج عن وضح السّبيل ، و سلك أقصد المسالك الى النّهج المطلوب ،

و لم تفتله فاتلات الغرور و لم تعم عليه مشتبهات الأمور ، ظافرا بفرحة البشرى ، و راحة النّعمى فى أنعم نومه ، و آمن يومه ، قد عبر معبر العاجلة حميدا و قدّم زاد الآجلة سعيدا ،

و بادر من وجل ، و أكمش فى مهل ، و رغب فى طلب ، و ذهب عن هرب ، و راقب فى يومه غده ، و نظر قدما أمامه فكفى بالجنّة ثوابا و نوالا ، و كفى بالنّار عقابا و وبالا و كفى باللّه منتقما و نصيرا و كفى بالكتاب حجيجا و خصيما أوصيكم بتقوى اللّه الّذى أعذر بما أنذر و احتجّ بما نهج و حذّركم عدوّا نفذ فى الصّدور خفيّا ، و نفث فى الآذان نجيّا فأضلّ و أردى ،

و وعد فمنّى ، و زيّن سيّئات الجرائم ، و هوّن موبقات العظائم حتّى اذا استدرج قرينته ،

و استغلق رهينته ، أنكر مازيّن ، و استعظم ما هوّن ، و حذّر ما أمّن .

[ 199 ]

و منها فى صفة خلق الانسان :

أم هذا الّذى أنشأه فى ظلمات الأرحام ، و شغف الأستار ، نطفة دهاقا و علقة محاقا ، و جنينا و راضعا ، و وليدا و يافعا ، ثمّ منحه قلبا حافظا ، و لسانا لافظا ، و بصرا لاحظا ليفهم معتبرا ،

و يقصّر مزدجرا ، حتّى اذا قام اعتداله ، و استوى مثاله ، نفر مستكبرا ، و خبط سادرا ، ماتحا فى غرب هواه ، كادحا سعيا لدنياه ، فى لذّات طربه ، و بدوات أربه ، لا يحتسب رزيّة و لا يخشع تقيّة ، فمات فى فتنته غريرا ، و عاش فى هفوته يسيرا ، لم يفد عوضا ، و لم يقض مفترضا ، دهمته ، فجعات المنيّة فى غبّر جماحه ، و سنن مراحه ، فظلّ سادرا ، و بات ساهرا ، فى غمرات الآلام ، و طوارق الأوجاع و الأسقام بين أخ شقيق ، و والد شفيق ، و داعية بالويل جزعا ، و لا دمة للصّدر قلقا و المرء فى سكرة ملهية ، و غمرة كارثة ، و أنّة موجعة ، و جذبة مكربة ، و سوقة متعبة . ثم أدرج فى أكفانه مبلسا ، و جذب منقادا سلسا ،

ثمّ ألقى على الأعواد رجيع وصب ، و نضو سقم ، تحمله حفدة الولدان ، و حشدة الإخوان ،

إلى دار غربته ، و منقطع زورته ، حتّى اذا انصرف المشيّع ، و رجع المتفجّع ، أقعد فى حفرته نجيّا لبهتة السّئوال ، و عثرة الامتحان ، و أعظم ما هنالك بليّة نزول الحميم ، و تصلية الجحيم ، و فورات السّعير ، و سورات الزّفير ، لا فترة مريحة . و لادعة مزيحة ، و لا قوّة حاجزة ، و لا موتة ناجزة ، و لا سنة مسلية ، بين أطوار الموتات ، و عذاب السّاعات انّا باللّه عائذون .

عباد اللّه ، أين الّذين عمّروا فنعموا ، و علّموا ففهموا ، و أنظروا فلهوا ، و سلموا فنسوا ؟

أمهلوا طويلا ، و منحوا جميلا ، و حذّروا أليما ، و وعدوا جسيما احذروا الذّنوب المورّطة ،

و العيوب المسخطة .

أولى الأبصار و الأسماع ، و العافية و المتاع هل من مناص ، أو خلاص ، أو معاذ ، أو ملاذ ، أو فرار ، أو محار ؟ أم لا ؟ فأنّى توفكون أم أين تصرفون ؟ أم بماذا تغترّون ؟ و إنّما حظّ أحدكم من الأرض ذات الطّول و العرض قيد قدّه ، متعفّرا على خدّه . الآن عباد اللّه و الخناق مهمل ، و الرّوح مرسل ، فى فينة الإرشاد ، و راحة الأجساد ، و باحة الاحتشاد ، و مهل البقيّة ، و أنف المشيّة ، و إنظار التّوبة ، و انفساح الحوبة ، قبل الضّنك و المضيق ، و الرّوع و الزّهوق ،

و قبل قدوم الغائب المنتظر ، و أخذة العزيز المفتدر .

[ 200 ]

و فى الخبر انّه عليه السلام لما خطب بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود ، و بكت لها العيون ، و رجفت القلوب ، و من الناس من يسمّى هذه الخطبة « الغرّاء » .

اقول : مدار الفصل على وصف حال الانسان من مبدأ عمره بالنقصان ، و بيان نعمة اللّه عليه بتزويده في اطوار الخلقة ، و تبكيته بمقابلتها بالكفران ، و الغفلة في متابعة الشيطان ، و تذكيره بغايته ، و هى : الموت و توابعه من احوال الموت ، و ما يكون بعد ذلك من عذاب القبر و غيره تنفيرا له عن الدنيا بتلك الامور لغاية اصلاح معاده ، و ذكر مبدئه لعلّه يتذكر أو يخشى . و « ام » هنا : استفهام في معرض تعديد نعم اللّه كانّه قال :

( افلا ينظرون الى كذا من خلق اللّه ؟ ام الى هذا الانسان الذى من حاله كذا ؟ و الشغف بالغين المعجمة جمع شغاف بالفتح و هو : غلاف القلب . و الدفاق : المفرغة . و المحاق :

الناقصة . و العلقة : لكونها بعد لم يقض عليها الصورة الانسانية ، و الولد حين الرضاع يسمى :

رضيعا ، و بعده : وليدا ، و بعده : يافعا ، و هو : المرتفع فاذا طرّشار به فهو : غلام ، و اذا ادرك فهو : رجل ، و للرجولية ثلاثة حدود : الشباب ، و هو : تمام النمو . و بعده : الكهولة ، ثم :

الشيخوخة .

و السادر : اللاهى . و الماتح : الجاذب للدلو المستسقى 1 . و استعار لفظ الغرب : لما تملأ به من هواه صحائف اعماله في المآثم . و الكدح : السعى . و البدوات جمع بدوة و هو :

ما يبدو له من الخواطر . و دهمه بالكسر : غشيه . و غبر الشى‏ء : بقيته . و جماحه : سعيه في هواه على غير قانون شرعىّ و لا ائتمار للعقل . و السادر : الثانى المتحيّر . و اللدم :

ضرب الصدر ، و روى سكره ملهثة بالثاء . و كارثة : مستلزمة لشدّة الغم . و الجذبة :

المكربة ، جذبة الملائكة للروح منه كقوله تعالى : ( و لو ترى إِذِ الظّالمون في غمرات الموت ) الى قوله : ( أَخْرِجُوا أنْفُسَكُم ) 2 . و الايلاس : اليأس و استعار وصف الترجيع و هو :

الجمل المردّد في الاسفار البالى فيها للمريض ، باعتبار تردّده في اطوار المرض المبلى له . و لفظ النضو و هو : الجمل الناحل من السير له نحو له من الاسقام .

و اعلم انّ قوله : أقعد في حفرته ، الى آخره صريح في القول : بعذاب القبر و سؤال منكر و نكير ، و الايمان بما جاء من ذلك على وجهين : احدهما و هو الاظهر الاسلم ان

-----------
( 1 ) في نسخة ش هكذا : و المايح المستقى . 2 سورة الانعام 93 .

[ 201 ]

نصدّق بذلك و نحمله على ظاهره و انّ هناك ملكين يقال لهما : منكر ، و نكير ، يتولّيان سؤال الانسان على الصورة المحكيّة ، و حيّات و عقارب تلدغ الميّت ، و ان كان لا يشاهدها ، اذ لا يصلح هذه العين لمشاهدة الامور الملكوتية ، و كل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت كما كانت الصحابة يؤمنون بنزول جبريل ، و كان النبى صلى اللّه عليه و آله يشاهده ، و هم لا يشاهدونه و كما انّ جبريل لا يشبه الناس فكذلك منكر ، و نكير ،

و فعلهما و الحيّات ، و العقارب في القبر ، ليس من حيّات عالمنا فتدرك بمعنى آخر .

الوجه الثانى ، انّ يتذكّر ما قد يراه النائم في صورة شخص هائل يقتله ، و حية تلدغه ،

و قد يتألّم بذلك حتى يراه في نومه فيصيح و يعرق جبينه و ينزعج من مكانه ، كل ذلك يدركه من نفسه و يشاهده ، و يتأذّى به كما يتأذىّ اليقظان ، و انت ترى ظاهره ساكنا ، و لا ترى حوله شخصا ، و لاحية ، و الحية موجودة في حقه متخيّلة له ، و لا فرق بين ان يتخيّل عدوّا ، اوحية او يشاهده ، و المناص : الملجأ . و المجاز : المرجع . و افك : صرف ، و قيد قدّه مقدار قامته ، و المنعفر : المترب ، و العفر ، التراب . و الفينة : الحين ، وانف الشى‏ء : اوّله .

الحوبة : الحاجة و المسكنة . و الضنك : الضيق . و كنى بالآن : عن مدّ الحياة . و بالخناق :

عما يؤخذ به اعناق النفوس و هو الموت ، و كذلك بالغائب : المنتظر ، و باقى الفصل ظاهر .