83 و من خطبة له عليه السّلام

قد علم السّرائر ، و خبر الضّمائر ، له الإحاطة بكلّ شى‏ء ، و الغلبة لكلّ شى‏ء ، و القوّة على كلّ شى‏ء .

فليعمل العامل منكم في أيّام مهله . قبل إرهاق أجله ، و في فراغه قبل أو ان شغله ، و فى متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، و ليمهّد لنفسه و قدومه . و ليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته ،

فاللّه اللّه ، أيّها النّاس فيما استحفظكم من كتابه . و استودعكم من حقوقه ، فإنّ اللّه ، سبحانه لم يخلقكم عبثا ، و لم يترككم سدى و لم يدعكم في جهالة و لا عمى : قد سمّى آثاركم ،

و علّم أعمالكم ، و كتب آجالكم ، و أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شى‏ء ، و عمّر فيكم نبيّه أزمانا حتّى أكمل له و لكم فيما أنزل من كتابه دينه الّذى رضى لنفسه و أنهى إليكم ، على لسانه ، محابّه من الأعمال و مكارهه ، و نواهيه و أوامره ، فألقى إليكم المعذرة ، و اتّخذ عليكم الحجّة ، و قدّم إليكم بالوعيد ، و أنذركم بين يدى عذاب شديد .

فاستدركوا بقيّة أيّامكم ، و اصبروا لها أنفسكم ، فإنّها قليل في كثير الأيّام الّتى تكون منكم فيها الغفلة و التّشاغل عن الموعظة ، و لا ترخّصوا لإنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظّلمة ، و لا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المصيبة . عباد اللّه ، إنّ أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه ، و إنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، و المغبون من غبن نفسه و المغبوط من سلم له دينه ، و السّعيد من وعظ بغيره ، و الشّقىّ من انخدع لهواه . و اعلموا أنّ يسير الرّباء شرك ، و مجالسة أهل الهوى منساة للإيمان و محضرة للشّيطان . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان ، الصّادق على شرف منجاة و كرامة ، و الكاذب على شفا مهواة و مهانة ،

و لا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب ، و لا تباغضوا فإنّها الحالقة

-----------
( 1 ) الشرح الكبير 2 277 .

[ 205 ]

و اعلموا أنّ الأمل يسهى العقل ، و ينسى الذّكر فأكذبوا الأمل فإنّه غرور ، و صاحبه مغرور . اقول : احاطته بكلّ شى‏ء : علمه بكليّات الاشياء ، و جريانها ، و علمه و قوّته على كل شى‏ء : استيلاء سلطان قدرته على كل مقدور ، و ارهاق الاجل : سرعة لحوقه ، و شغله اى :

بأهوال الآخرة . و الكظم : مجرى النفس و الاخذ به كناية : عن الموت ، و نبّه على وجوب الحذر من مخالفة اللّه بضمير صغراه قوله : فانّه لم يخلقكم عبثا ، اى : خاليا عن وجه الحكمة بل ليستكملوا في الدنيا ، و اشار الى وجوه حكمته في خلقهم و الطافه في حقّهم ،

من انزال الكتاب و بعث الرسول صلى اللّه عليه و آله ، و اكمال دينه الّذى ارتضى لهم ، و تقدير الكبرى و كلّ من كان كذلك فواجب ان يحفظ حقوقه ، و يحذر من تضييع ما استودعه . و الرخصة هنا : المساهلة في تنويع المأكل و المشرب و غيره ، من المباحات فانّ ذلك مظنّة الخروج فيها عن حدّ الاباحة الى مالا ينبغى في الدين ، و مذاهب الظلمة :

مسالكها و طرقها الجائرة .

روى انّ ابليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السّلام ، فرأى عليه معاليق كل شى‏ء فقال له : يا ابليس ما هذه المعاليق ؟ قال : هذه هى الشهوات التى اصيب بهنّ قلوب بنى آدم ، فقال : هل بى فيها شى‏ء ؟ قال : نعم ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة و عن الذكر ،

قال : هل غير ذلك ؟ قال : لا قال للّه علىّ ان لا أملأ بطنى من طعام ابدا ، فقال ابليس : للّه علىّ ان لا أنصح مسلما ابدا . و لا تداهنوا انفسكم اى : لا تصانعوها بالتأويلات الضعيفة و الشبهات 1 الباطلة فانّ ذلك سبب للهجوم على المعصية و العبور اليها عن حدّ الفصيلة من المباح . و بيان قوله : انّ انصح الناس لنفسه ، اطوعهم لربّه . لمّا كان غرض النصح انّما هو : جلب الخير و المنفعة للمنصوح و كان اتمّ خير و منفعة هو السعادة الباقية الابديّة و كانت تلك السعادة انّما تنال بالطاعة فكلّ من كانت طاعته له اتمّ كانت سعادته اتم ،

كان هو انصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته ، و ظهر من ذلك معنى قوله : و ان أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه . و المغبون : من غبن نفسه بالمعصية و بحصوله على السهم الاخيب فى الآخرة و تفويت نفسه نصيبها الأوفى من الجنّة . و قوله : المغبوط ، اى : من يستحق ان

-----------
( 1 ) في ش : و الشبه .

[ 206 ]

يغبط ، و معنى الغبطة : ان يتمنّى الانسان مثل ما لغيره من حال او مال ، مع قطع النظر عن تمنّى زوال تلك الحال عمّن هى له ، و بهذا القيد يتميّز عن الحسد . و السعيد : من وعظ بغيره ، اى : السعيد التّام ، و ذلك انّ العظة قد تحصل للانسان من نفسه ، بعبرة تقع له كمرض او أمر ينزل به ، و قد تحصل بمشاهدة الغير و هذه اتمّ من تلك و افضل ،

لاستلزامها ثواب الآخرة مع السلامة من عبرة تلحق المعتبر في نفسه ، و لذلك خصّ صاحبها بالسعيد مبالغة . و اهل الهوى : المنقادون لدواعى الشهوة و الغضب الخارجة عن حدود اللّه ، و نفّر عن مجالستهم : باستلزامها الأمرين ، و هو ظاهر و نفرّ عن الكذب بضمير صغراه قوله : فانّه ، مجانب للايمان ، و هو : خبر نبوىّ ، و مجانبته له لكونه من الكبائر المضادّة للازم الايمان و هو : الصدق ، و مضادّة اللازم مضادّة للملزوم ، و مجانب له . و نفّر عن الحسد بضمير صغراه قوله : فانّه ، الى قوله : الحطب ، و وجه الشبه : انّ الحاسد قد يغرق فكره في الاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يتفرّغ لطاعة و عبادة بل قد يذهل عما حصل عليه من الكمال ، و بدوامه ينقطع به عن تحصيل الحسنات فيكون مفوّتا لها كفعل النار فى الحطب .

و لفظ الأكل : مستعار لذلك التفويت : و نفّر عن التباغض بضمير صغراه قوله : فانّها الحالقة . و الضمير في قوله : فانّها ، يعود الى المصدر ، و هى المباغضة ، و استعار لفظ الحالقة للجائحة التى تقع بسبب التباغض عن الفرقة و اختلاف الكلمة المستلزم لطمع العدوّ في المتباغضين ، و استيصالهم و افناء بعضهم لبعض كالآلة الحالقة ، و نسبة السهو و النسيان و الغفلة الى فعل الأمل لما يستلزمه من الغفلة من الآخرة ، و تكذيبه بردّ العقل لاحكام الوهم بنيل المطلوب ، و بذكر الموت و قواطع الاقدار عن بلوغه ، و باللّه التوفيق .