الفصل الأوّل : في صفات المتّقين

و هو قوله :

عباد اللّه ، إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه فاستشعر الحزن ، و

[ 207 ]

تجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، و أعدّ القرى ليومه النّازل به ، فقرّب على نفسه البعيد ، و هوّن الشّديد : نظر فأبصر ، و ذكر فاستكثر ، و ارتوى من عذب فرات سهلت له موارده ، فشرب نهلا ، و سلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشّهوات ، و تخلّى من الهموم إلاّ همّا واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، و مشاركة أهل الهوى ، و صار من مفاتيح أبواب الهدى ، و مغاليق أبواب الرّدى ، قد أبصر طريقه ، و سلك سبيله ، و عرف مناره ، و قطع غماره ، استمسك من العرى بأوثقها ، و من الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس : قد نصب نفسه للّه سبحانه فى أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه ، و تصيير كلّ فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشّاف عشاوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، و يسكت فيسلم : قد أخلص اللّه فاستخلصه فهو من معادن دينه ، و أوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفى الهوى عن نفسه ،

يصف الحقّ و يعمل به ، لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها ، و لا مظنّة إلاّ قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده و إمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، و ينزل حيث كان منزله . أقول : اعانته على نفسه ، افادته تعالى لعقله قوّة قهر نفسه الامّارة بالسوء ، و اتّخاذه الحزن شعارا اى : على معصية اللّه . و الخوف جلبابا اى : من عقابه ، و وصف الاستشعار و التجلّب مستعاران . و زهر 1 مصباح الهدى في قلبه شروق نور المعارف الالهية في سرّه ،

و هو : ثمرة الاستعداد ، و الخوف و الحزن ، و استعار لفظ المصباح : لنور المعرفة لاشتراكهما فى افادة الهدى . و لفظ القرى : للاعمال الصالحة التى تعدّ ثمراتها ليوم موته ، و ما بعده ملاحظة لشبهها بما يعدّ من الضيافة للقادم ، و تقرّبه على نفسه البعيد تقصيره لأمله الطويل فى الدنيا ، بذكر الموت او تقرّبه لما بعد من احوال الآخرة بدوام اخطارها بباله ، حتى كانّها حاضرة له . و تهوينه الشديد : تسهيل شدائد الدنيا على خاطره ، و استحقاره في جنب ما يتصوّره من الفرجة بلقاء اللّه ، و وعده و وعيده ، او تسهيله لشدائد الآخرة و تهوينها بالأعمال الصالحة . و نظر اى : فكّر في ملكوت السموات و الارض ، فأبصر اى : الحق سبحانه في عجائب خلقه ، يعنى : بصيرته . و ذكر ربّه و معاده ، فاستكثر من الاعمال

-----------
( 1 ) في ش : زهور .

[ 208 ]

الصالحة و الذكر ، حتى صار ملكة ، و استعار لفظ العذب : بوصف الفرات للعلوم و الكمالات النفسانية ، و وصف الارتواء : لتمام الاستكمال بها ، و مواردها : مظانّها من العبر و الامور التى تحصّل نفوس المتّقين منها العلوم ، و تسهيلها لهم : سرعة اخذهم عنها الكمالات لكمال استعدادهم لذلك . و النهل : الشرب فى اوّل الورد و استعار لفظه : لسبق احدهم الى اخذ الكمالات عن مظانّها . و السبيل الجدد : سبيل اللّه الواضح . و خلعه سرابيل الشهوات ، اشارة الى : طرف الزهد ، و لفظ السرابيل مستعار : لما يلبس به من الشهوات و الهمّ الذى انفرد به هو الوصول الى ساحل العزّة . و استعار لفظ العمى : للجهل . و ابواب الهدى هى الفضائل و الطاعات . و ابواب الرّدى هى : الرذائل و المعاصى . و مناره ، اعلام طريق اللّه ، و هى البراهين و الادلّة التى تهدى بها . و غمارة : ما كان مغمورا فيه من احوال الدنيا . و اوثق العرى : الإيمان باللّه و هو امتن الحبال ، و لفظهما مستعاران : باعتبار وثاقة التمسّك بهما .

و قوله : فهو من اليقين ، اى : باللّه و ما جاءت به رسله ، من احوال الغيب على اتمّ يقين . و قوله : قد نصب نفسه ، الى قوله اصله ، اى : لما كمل فى ذاته كان اهلا لهداية الخلق ، و افادتهم لقوانين طريق اللّه ، و التّفريغ عنها . و الظّلمات : ظلمات الجهل .

و العشوات : ما التبس على البصائر من المسائل الدقيقة ، و كذلك المبهمات ،

و المعضلات ، و الفلوات استعارة . و قوله : يقول ، الى قوله : يسلم ، اى : يستعمل كلاّ من القول : و السكوت فى موضعه ، و يصيب به مقصوده ، و استعار له لفظ المصباح : باعتبار هدايته للخلق ، و لفظ المفتاح : لفتحه ما انغلق من مشكلات المسائل . و لفظ الدليل :

لهدايته فى مفاوز الجهلات على طريق اللّه . و لفظ المعدن : لكونه مظنّة دين اللّه عنه يؤخذ .

و لفظ الوتد : لكون ارض اللّه به تحفظ . و لفظ الزمام : لعقله باعتبار تسليمه الى حكم اللّه و اوامره فكانّها تقوده بعقله فى طريق اللّه .