الفصل الثانى :

و آخر قد تسمّى عالما و ليس به فاقتبس جهائل من جهّال و أضاليل من ضلاّل و نصب للنّاس شركاء من حبائل غرور ، و قول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، و عطف

[ 209 ]

الحقّ على أهوائه ، يومّن من العظائم ، و يهوّن كبير الجرائم يقول « أقف عند الشّبهات » و فيها وقع ، « و أعتزل البدع » و بينها اضطجع : فالصّورة صورة إنسان ، و القلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه و لا باب العمى فيصدّ عنه ، فذلك ميّت الأحياء .

فأين تذهبون ؟ و أنّى تؤفكون ؟ و الأعلام قائمة و الآيات واضحة و المنار منصوبة فأين يتاه بكم بل كيف تعمهون ؟ و بينكم عترة نبيّكم ، و هم أزمّة الحقّ ، و أعلام الدّين ،

و ألسنة الصّدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن و ردوهم ورود الهيم العطاش .

أيّها النّاس ، خذوها عن خاتم النّبيّين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : « إنّه يموت من مات منّا و ليس بميّت ، و يبلى من بلى منّا و ليس ببال » فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون ، و اعذروا من لا حجّة لكم عليه ، و أنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثّقل الأكبر ؟ و أترك فيكم الثّقل الأصغر ، و ركزت فيكم راية الإيمان ، و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام و ألبستكم العافية من عدلى ، و فرشتكم المعروف من قولى و فعلى ،

و أريتكم كرائم الأخلاق من نفسى فلا تستعملوا الرّأى فيما لا يدرك قعره البصر ، و لا تتغلغل إليه الفكر . اقول : الجهائل : جمع جهالة ، و اراد الجهل المركّب ، و هو : الاعتقاد غير المطابق للحق من شبهة ، و استعار لفظ الاشراك و الحبال : لما تغرّ علماء السوء به الناس من الأقوال الباطلة و حملة الكتاب على آرائه بتفسيره ، بحسب رأيه ، و كذلك عطفه على اهوائه ، تأويله بحسب هواه ، و تأمينه الناس من العظائم ، كاستعمال علماء السوء و جهّال الوعّاظ آيات الوعد فى كل موضع استجلابا لقلوب العوام ، و استعار له لفظ ميّت الاحياء : باعتبار عدم الانتفاع به لجهله المركب الّذى هو موت النفس المضادّ لحياتها الحقيقية باستكمال العلوم و الفضائل الخلقية ، فالجاهل بالحقيقة ميّت و ان كان فى صورة حىّ .

و قوله : فأين تذهبون الى آخره : تنبيه على كونهم فى ضلال و عمى عن الحق ،

و تخويف و تبكيت و تذكير بكتاب اللّه و عترة رسوله ، ليلزموا هدايتهم . و تؤفكون :

تصرفون ، و انّى هنا : بمعنى متى ، اى : متى تصرفون عن ضلالكم و الاستفهام : للتقريع ، و استعار لفظ الاعلام : لائمة الدين و كذلك المنار ، و نصبها قيام الائمة بينهم . و عترة

[ 210 ]

الرجل : أقاربه من ولده و ولد ولده . و ادانى : بنى عمّه ، و عترة الرسول صلى اللّه عليه و آله :

اهل بيته . و استعار لهم لفظ الازمة : بأعّتبار كونهم قادة للخلق الى طريق الحق كالزمام ،

و كونهم ألسنة الصدق اى : تراجمة الوحى الصادق ، او انّهم لا يقولون الاّ صدقا لعصمتهم .

و قوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . فاعلم انّ للقرآن منازل احدها القلب ، و له فيه منزلتان : منزلة الاكرام و التعظيم ،

و منزلة التصوّر فقط ، ثم منزلة فى الوجود اللسانى ، ثم فى الكتب و الدفاتر ، و احسن منازله هى الأولى . فالمراد : الوصيّة باكرامهم و تعظيمهم و محبّتهم كما يكرم القرآن بذلك .

و قوله : ورودهم : ورود الهيم العطاش ارشاد لهم الى الاسراع فى اقتباس العلوم ،

و كرائم الاخلاق منهم كما يسرع الهيم و هى الابل العطشى الى الشرب . و الضمير فى قوله : خذوها : للرواية الحاضرة و هو تقرير لقوله تعالى : ( و لا تحسبنّ الّذين قُتِلوا فى سبيل اللَّه امواتاً بل احياء ) 1 الآية ، و يبلى اى : بجسمه ، و ليس ببال اى : بنفسه ، و ذكره .

قوله : و لا تقولوا بما لا تعلمون ، اى : ممّا طوى عنكم غيبه و علمناه ، و ذلك : انّهم كانوا يخوضون فى امر المعاد ، و يقول كلّ منهم بحسب ما يتصوّر من القرآن ، و الحديث ، و الائمة عليهم السّلام ، أعلم بذلك ، و نبّه على وجوب الانتهاء عن التّسرع الى القول بغير علم بضمير صغراه ، قوله : فانّ اكثر الحق فيما تنكرون ، و تقدير كبراه : و كلّ ما كان اكثر الحق فيه لم يجز التّسرّع الى انكاره ، لجواز أن يكون هو الحق ، و الثقل الاكبر : كتاب اللّه لكونه الاصل المتّبع . و الثقل الاصغر : العترة الطاهرة 2 .

و استعار لفظ راية الايمان : لسنّته المتّبعة فى العمل بكتاب اللّه . و ركزها : وضعها بينهم ليقتدوا بها . و قعر الشى‏ء : اقصاه . و البصر : بصر العقل . و التغلغل : الدخول فى الاعماق ، و هو نهى عن استعمال مجرّد الرأى فى دقائق المسائل الالهية ، و امر المعاد فانّ ذلك مهلكة .

منها :

-----------
( 1 ) سورة آل عمران 169

-----------
( 2 ) مأخوذ من قول النبي ( ص ) : إني مخلّف فيكم الثقلين .

[ 211 ]

حتّى يظنّ الظّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أمية تمنحهم درّها و توردهم صفوها ، و لا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، و لا سيفها ، و كذب الظّان لذلك ، بل هى مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة . الفصل غاية من غايات دولة بنى امية ، و هو اخبار عمّا سيكون . و معقولة : محبوسة ،

و استعار لفظ الدّر و الصفو : للذّاتها و قيناتها ، و لفظ المحبّة : لما يحصلون عليه من الدولة و الملك ، باعتبار قلّته بالنسبة الى زمان عدمه ، و وصف التطعّم : لا لتذاذهم بالإمرة .

و وصف اللفظ : لزوالها عنهم .