85 و من خطبة له عليه السّلام

أمّا بعد ، فإنّ اللّه لم يقصم جبّارى دهر قطّ إلاّ بعد تميّل و رخاء ، و لم يجبر عظم أحد من الأمم إلاّ بعد أزل و بلاء ، و فى دون ما استقبلتم من عتب ، و ما استدبرتم من خطب ، معتبر و ما كلّ ذى قلب بلبيب ، و لا كلّ ذى سمع بسميع ، و لا كلّ ناظر ببصير ،

فيا عجبى و مالى لا أعجب من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها لا يقتصّون أثر نبىّ ، و لا يقتدون بعمل وصىّ ، و لا يؤمنون بغيب ، و لا يعفّون عن عيب . يعملون فى الشّبهات و يسيرون فى الشّهوات ، المعروف عندهم ما عرفوا ، و المنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم فى المعضلات إلى أنفسهم ، و تعويلهم فى المبهمات على آرائهم ، كأنّ كلّ امرى‏ء منهم إمام نفسه : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات و أسباب محكمات . اقول : مقصود الفصل توبيخ الامّة على اختلافهم فى الدين ، و تشتيت آرائهم فى الأحكام و المذاهب .

و القصم : الكسر ، و جبر العظم : كناية عن التقويّة بعد الضعف . و الأزل : الشدّة .

و العتب : الذى استقبلوه عتابه عليه السّلام و ما ينبغى منه . و الخطب : الذى استدبروه ،

الأهوال التى لحقتهم من المشركين . و فى دون ذلك معتبر لمن كان له قلب ، فانّهم لو اختلفوا حينئذ كاختلافهم الآن لما كان لهم مع قلّتهم وقع عند المشركين . و كانّه قال :

[ 212 ]

فيجب الآن ان تعتبروا بذلك و تلازموا الاتّحاد فى الدين . و اللبيب : من ينتفع بلبّه ، و هو :

عقله ، و فائدة قوله : فما كلّ ذى لبّ الى قوله : ببصير : تحريك النفوس الى الاعتبار كيلا يعدّ التارك غير لبيب و لا سميع و لا بصير . ثم ذكر من مذامّهم اربعة تروك لما ينبغى ان يفعلوه ، و اربعة افعال مما ينبغى ان يتركوه ، و قدّم على الكلّ ذكر السبب و هو اختلاف حججهم فى دينهم ، لانّ ذلك هو الأصل الذى نشأت عنه هذه الرذائل ، و العيب : الذى تركوا الايمان به هو ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه و آله من السمعيّات الصرفة كأحوال المعاد البدنّى ، و احوال القيامة ، و الجنّة و النار . و قوله : المعروف ، الى قوله : ما انكروا ،

أى : انّ المعروف و المنكر محصوران فيما عرفوه و انكروه ، و ان كان ما تصوّروه جهلا و ما انكروه هو الحق . و المضلاّت : ما اشكل امره و أصعب فهمه ، من الاحكام الدينية ،

و الاسباب المحكمة ، النصوص الجلية .