87 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه المعروف من غير رؤية ، و الخالق من غير رويّة ، الّذى لم يزل قائما دائما ،

إذ لا سماء ذات أبراج ، و لا حجب ذات أرتاج ، و لا ليل داج ، و لا بحر ساج ، و لا جبل دو فجاج ، و لا فجّ ذو اعوجاج ، و لا أرض ذات مهاد ، و لا خلق ذو اعتماد : ذلك مبتدع الخلق و وارثه ، و إله الخلق و رازقه ، و الشّمس و القمر دائبان فى مرضاته : يبليان كلّ جديد و يقرّبان كلّ بعيد ، قسم أرزاقهم ، و أحصى آثارهم و أعمالهم ، و عدد أنفاسهم ، و خائنة أعينهم ، و ما تخفى صدورهم من الضّمير ، و مستقرّهم و مستودعهم من الأرحام و الظّهور ،

إلى أن تتناهى بهم الغايات ، هو الّذى اشتدّت نقمته على أعدائه فى سعة رحمته و اتّسعت رحمته لأوليائه فى شدّة نقمته ، قاهر من عازّه و مدمّر من شاقّه ، و مذلّ من ناواه ، و غالب من عاداه ، و من توكّل عليه كفاه ، و من سأله أعطاه ، و من أقرضه قضاه ، و من شكره جزاه .

عباد اللّه ، زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، و تنفّسوا قبل ضيق الخناق ، و انقادوا قبل عنف السّياق ، و اعلموا أنّه من لم يعن على نفسه حتّى يكون له منها واعظ و زاجر لم يكن له من غيرها زاجر و لا واعظ . اقول : انّه وصف اللّه سبحانه باعتبارات من صفات جلاله ، و قد سبق بيان اكثر هذه الاعتبارات ، و قيامه دوام وجوده لذاته . و قوله : اذ لا سماء ، الى قوله : ذو اعتماد ، اشارة الى : اعتبار ازليّته و قيامه بذاته ، و سبقه لكل ممكن تقديرا لقول الرسول صلى اللّه عليه و آله : كان اللّه و لا شى‏ء . و الحجب ذات الارتاج : السموات . و ابلاء الشمس و القمر لكل جديد كناية عن : تفانيهما 1 بعده ، و يحتمل ان يريد كونهما اسبابا معدّة لزوال كل كائن فى هذا العالم ، و فساده و تقريبهما للبعيد : جذبهما الى الموت و ما بعده من احوال

-----------
( 1 ) نسخة ش : بقائهما .

[ 215 ]

الآخرة و غاياتهم التى تتناهى بهم ما يختم به اعمالهم من سعادة و شقاوة .

و قوله : و هو الّذى اشتدّت ، الى قوله : نعمته ، اشارة الى : كماله و تنزيهه ، فى اعتبار احواله عن ملوك الدنيا فانّ حال الرحمة و حال الغضب فيهم متضادّ ان لا يجتمعان .

و لما كان كماله تعالى يقتضى ان يفيض على كلّ نفس ما يستعدّ له ، و جاز ان يستعدّ الشخص الواحد للنعمة التى هى اثر الرحمة ، و للنقمة التى هى اثر الغضب فى حال واحد ، لا جرم جاز اجتماع رحمته و نقمته فى محلّ واحد فى وقت واحد ، باعتبارين كحال الكفّار مثلا فى الدنيا . و قوله : و عازّه : غالبه ، و ناواه : عاداه . وزنة النفوس فى الدنيا : اعتبار اعمالها من الخير و الشرّ و مراعاة استقامتها على حاق الوسط من الفضائل فى سبيل اللّه ، و محاسبة النفس : ضبط اعمالها الخيريّة و الشّرية ليزكّيها 1 بما ينبغى لها و يعاقبها على فعل ما لا ينبغى ، و باب عظيم من ابواب المرابطة فى سبيل اللّه ، و استعار لفظ وصف التنفّس : لتحصيل الراحة و البهجة للآخرة بالاعمال الصالحة فى الدنيا المستلزمة لها كما يستلزم النفس راجة القلب من الكرب . و لفظ الخناق من الحبل :

للموت . و انقادوا اى : لأوامر اللّه قبل عنف سياق الموت ، و اعانة العبد على نفسه : اعداد العناية الالهية لقوّته العقلية على قهر النفس الامّارة بالسوء ، و تهيأتها لقبول السوانح الخيريّة و من لم يحصّل ذلك الاستعداد ملكة حتّى يكون هو القاهر لنفسه لم يتمكن من قهرها بموعظة الغير و زجره ، و ذلك تنبيه على وجوب الاستعانة باللّه فى احوال النفس و دفع الشيطان عنها ، و باللّه التوفيق .