88 و من خطبة له عليه السّلام

تعرف بخطبة الاشباح . و هى من جلائل الخطب . روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام ، انّه قال : خطب امير المؤمنين صلى اللّه عليه و آله بهذه الخطبة على منبر الكوفة ، و ذلك انّ رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين : صف لنا ربّنا لنزداد له حبا ، و به معرفة فغضب عليه السّلام ، و نادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى

-----------
( 1 ) في ش : لتركها .

[ 216 ]

غص المجلس بأهله فصعد المنبر و هو مغضب متغير اللون ، فحمد اللّه سبحانه و صلى على النبى محمد صلى اللّه عليه و آله ثم قال :

الحمد للّه الّذى لا يفره المنع و الجمود ، و لا يكديه الإعطاء و الجود ، إذ كلّ معط منتقص سواه ، و كلّ مانع مذموم ما خلاه ، و هو المنّان بفوائد النّعم ، و عوائد المزيد و القسم ،

عياله الخلق : ضمن أرزاقهم ، و قدّر أقواتهم ، و نهج سبيل الرّاغبين إليه ، و الطّالبين مالديه ،

و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ، الأوّل الّذى لم يكن له قبل فيكون شى‏ء قبله ،

و الآخر الّذى ليس له بعد فيكون شى‏ء بعده ، و الرّادع أناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ، و لا كان فى مكان فيجوز عليه الانتقال ، و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلزّ اللّجين و العقيان ،

و نثارة الدّرّ و حصيد المرجان ما أثّر ذلك فى جوده ، و لا أنفد سعة ما عنده ، و لكان عنده من ذخائر الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ، لأنّه الجواد الّذى لا يغيضه سؤال السّائلين ،

و لا يبخله إلحاح الملحّين .

فانظر أيّها السّائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به ، و استضئ بنور هدايته ،

و ما كلّفك الشّيطان علمه ممّا ليس فى الكتاب عليك فرضه و لا فى سنّة النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و أئمّة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك .

و اعلم أنّ الرّاسخين فى العلم هم الّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب ،

الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، و سمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا ،

فاقتصر على ذلك ، و لا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين : هو القادر الّذى إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، و حاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه فى عميقات غيوب ملكوته ، و تولّهت القلوب إليه لتجرى فى كيفية صفاته ، و غمضت مداخل العقول فى حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته ردعها و هى تجوب مهاوى سدف الغيوب متخلّصة إليه ، سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، و لا تخطر ببال أولى الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته الّذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، و لا مقدار احتذى عليه ، من خالق معهود كان

[ 217 ]

قبله ، و أرانا من ملكوت قدرته ، و عجائب ما نطقت به آثار حكمته ، و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ، ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ،

و ظهرت فى البدائع الّتى أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له و دليلا عليه ، و إن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة ، و دلالته على المبدع قائمة .

و أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ، و تلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، و لم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ، و كأنّه لم يسمع تبرّأ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : ( تَاللَّه إنْ كُنَّا لَفِى ضَلالٍ مُبَينٍ ، إذْ نُسَوّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) 1 كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم و نحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم و جزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم و قدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، و أشهد أنّ من ساواك بشى‏ء من خلقك فقد عدل بك ، و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، و نطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، و إنّك أنت اللّه الّذى لم تتناه فى العقول فتكون فى مهبّ فكرها مكيّفا ، و لا فى رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا . أقول : قيل سمّيت الاشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح ، و هى : الاشخاص . و قيل :

لانّ الشبح هو الطول و الامتداد . و هذه الخطبة ذات اقسام طوال ممتدّة كذكر السماوات ، و كيفية تخليقها ، و كذكر الملائكة و اقسامهم ، و كيفية خلقهم و احوالهم ، و ذكر الارض و كيفية خلقها . و يفرّه ، يزيده و فرا و هو : المال . و يكديه : ينقص خيره . و انّما لم يقبل الزيادة و النقصان لاستلزامهما الحاجة و الامكان المنزّه قدسه عنهما ، و نزّهه فى الحكمين عن حال غيره من المعطّلين و المانعين ، و فوائد النعم ما افاد منها ، و عوائد المزيد ،

و القسم ما اعتاد منهما ، و استعار لفظ العيال : للخلق باعتبار ضمان ارزاقهم ، و القيام لأحوالهم ، و لفظ الضمان لما وجب فى الحكمة من تقدير الأقوات و الارزاق التى لا بدّ منها كالضمان . و سبيل الراغبين اليه ، شريعته و دينه ، و نهجه لهم : ايضاحه بالادلّة . و قوله : ليس بما سئل باجود منه بما لم يسئل عنه ، فيه لطيفة و هى : انّ فيضان ما يصدر عنه سبحانه له اعتباران :

-----------
( 1 ) سورة الشعراء 97 98 .

[ 218 ]

أحدهما ، بالنظر الى جوده ، و هو من تلك الجهة غير مختلف فى جميع الموجودات ،

بل نسبتها اليه على سواء ، فلا يقال هو بكذا اجود منه بكذا ، و الاّ لاستلزم ان يكون ببعض الاشياء أبخل ، او اليها احوج فيلزمه النقصان تعالى عن ذلك .

و الثانى ، بالنظر الى الممكن نفسه ، و الاختلاف بالقرب و البعد الى جوده ، انّما هو من تلك الجهة فكلّ ممكن كان اتمّ استعدادا و اقبل كان أقرب الى جوده . فالسائل اذن و ان حصل له ما سأل منه تعالى دون ما لم يسأل فليس منعه ما لم يسأله لعزّته عنده و ليس بينه و بين ما سأل بالنسبة الى جوده فرق و تفاوت بل تخصيصه بما سئل لتمام قبوله له ، و لو كان قابلا لما يسئل لوصل اليه من غير مسألة و ان عظم خطره ، و الى هذا اشار علىّ بن موسى الرضا عليه السّلام ، و قد سئل عن الجواد فقال : لسؤالك و جهان : ان اردت المخلوق فالّذى يؤدّى ما افترض اللّه عليه . و ان اردت الخالق فهو الجواد ان اعطى و ان منع لانّه ان أعطى أعطى من له ، و ان منع منع من ليس له .

و اراد انّ جوده متوقّف على الاستعداد و عدمه . و ردعه اناسى الابصار عن ادراكه :

قهره لها بذلّ النقصان عن قبول ذلك ، لانّ القوّة الباصرة انّما يتعلّق بذى الوضع وجهة المنزّه قدسه تعالى عنه ، و لم يختلف عليه دهر لعلوّه عن الزمان ، و بذلك لم تختلف عليه الأحوال ، لانّ الزمان هو مبدأ الاختلاف . و فلزّ اللّجين : خبثه و ما ينفيه الكبر منه .

و العقيان : الذهب الخالص . و المرجان : صغار اللؤلؤ . و حصيده : محصوله و ما اجتمع منه .

و استعار لفظ الضحك : للاصداف ، و وجه الشبه : انفتاح الصدفين و اسفارهما عن اللؤلؤ الشبيه فى بدوه بالاسنان عن لحمة شبيهة باللسان فى هيئته ، و وضوح المشابهة تستدعى المشاهدة . و لفظ الحصيد لصغار اللؤلؤ لشبهه بالحصيد من الغلات . و نبّه بهذه القضية الشرطية على كمال قدرته ، و عدم تناهى مقدوراته ، و بيّن ذلك بضمير صغراه قوله : لانّه الجواد الى قوله : الملحّين ، و تقدير الكبرى و كلّ من كان كذلك فلو وهب جميع ما ذكر لم ينقص ملكه .

و قوله : فانظر الى آخره : تأديب للخلق فى وصفهم للّه سبحانه ، و تعليم لهم كيفية مدحهم و ثنائهم عليه ، فأمرهم ان يقتدوا فى ذلك بكتاب اللّه تعالى ، و من يقوم به من الأنبياء و الائمة من بعدهم ، اذ كان اوّل ما يوصف به ما وصف به تعالى نفسه ، و ان

[ 219 ]

يفوّضوا علم مالم يعلموا الى علمه تعالى و هو المراد : بالتفويض المشهور . و قوله : انّ الراسخين ، الى قوله : المحجوب : تفسير لمعنى الرسوخ فى العلم . و الإقتحام : الدخول فى الامر بشدّة . و السدد جمع سدّة و هى : الأبواب و الحجب .

و اعلم انّ لحجب الغيوب طبقات كثيرة كما أشار اليه الرسول صلى اللّه عليه و آله :

( ان للّه سبعين الف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لا حرقت سبحات وجهه كل من ادرك بصره ) و قد نبّهنا عليها فى الاصل 1 ، و هنا لطيفة و هو انّه لما كان التكليف فى نفس الأمر انّما هو على قدر العقول و تفاوت مراتبها كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( بعثت لاكلّم الناس على قدر عقولهم ) . كان كلّ عقل قوىّ على رفع حجاب من حجب الغيب ، و قصر عمّا ورائه ، و اعترف به ، و بالعجز عنه ، فذلك تكليفه و هو من الراسخين فعلى هذا ليس الرسوخ مرتبة واحدة هى تقليد ظاهر للشريعة و اعتقاد حقيقتها فقط بل تقليدها مرتبة اولى من مراتبه ، و ماوراء ذلك من مراتب غير متناهية بحسب مراتب السّالكين و قوّتهم على رفع حجاب الانوار . و ظاهر كلامه عليه السّلام ، لا ينافى ذلك اذا نزّل عليه ، فإنّ قوله : و سمّى ترك التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه : رسوخا صادقا ايضا على من قطع جملة من منازل السائرين الى اللّه ، و عجز عمّا ورائها فوقف ذهنه عن التعمّق فيه اذ لا يكلّف بما لا يفى به قوّته بدركه ، و المقدّر لعظمة اللّه بقدر عقله هو المعتقد انّ عقله ادركه و احاط به علما ، و وجه الهلاك فى ذلك : الاعتقاد انّ ما يحيط به العقول البشرية محدّد و مركّب ، فكان ممكنا فالمعتقد لذلك معتقد لغير الاله الها . و قوله : هو القادر ، الى آخره ، اشارة الى : اعتبارات اخر من صفاته تعالى ، نبّه فيها على انّ غاية استقصاء العقول و تعمّقها فى طلب تفصيل صفاته ان تقف خاسئة و ترجع حسيرة . و ارتماء الأوهام : استر سالها مجدّة فى المطالعة و التفتيش ، و عميقات غيوب ملكوته : فى اسرار عالم الغيب . و استعار لفظ العمق : بأعتبار عدم وصول غائص الفكر الى منتهاها . و التولّه : شدّة الشوق .

و ردعها : خلقها قاصر عن ادراك ما تطلبه من هذه المطالب ، فردع الاوهام لقصورها عن ادراك ما ليس بمحسوس . وردع الفكر و العقول له قصورها عن ادراك حقيقة ما ليس بمحدود مركّب . و قدّم اعتبار قدرته تعالى على الشرطيّة لانّها الأصل فى ذلك الردع . و

-----------
( 1 ) الشرح الكبير 2 332 .

[ 220 ]

تجوب : تقطع و تطوف . و استعار لفظ السدف جمع سدفه ، و هى : الظلمة لما لا يهتدى اليه الفكر من الغيوب ، ملاحظة لشبهها بالظلمة المحسوسة .

« و الواو » فى قوله : و هى : للحال ، و العامل : ردعها ، و جور الاعتساف : شدّة الجولان فى بيداء جلال اللّه فظاهر انّه غير نافع فى تحصيل ما لا يمكن . و قوله : و أرانا الى قوله :

معرفته ، فملكوت قدرته : ملكها ، و انّما نسبه الى القدرة لانّ اعتبارها مبدأ الوجود كلّه ، فهو مبدأ المالكية ، و اعتراف : عطف على عجائب ، و الى : انّ متعلّق بالحاجة . و قوله : ما دلّنا : مفعول ثان لأرانا : و على معرفته : متعلّق بدلّنا . و استعار لفظ الاعلام : لما يدلّ على حكمة الصانع فى فعله من الأتقان و الأحكام . و الضمير فى قوله : فحجّته : يحتمل عوده الى اللّه و يحتمل عوده الى الخلق الصامت ، و للسالكين فى سماع نطق آثار اللّه و مشاهدته فى مصنوعاته ، مراتب و درجات متفاوته .

و قوله : و اشهد ، الى قوله : ربّ العالمين : التفات و انّما جعل المشبّه به هو تباين الاعضاء و تلاحمها و ان كان المشبّه به هو الجسم متباين الاعضاء ، لأنّ تباين الاعضاء هو وجه الشبه المستلزم للتركيب فكان ذكره اهمّ ليظهر به تنزيهه تعالى عن هذا التشبيه سريعا ، لبرائته عن الاعضاء ، و تباينها و تركيبها . فامّا شهادته عليه السّلام بانّ المشبّه له غير عارف به ، و لا متيقّن لتنزيهه عن المثل فالقرآن و البرهان مصدّقان لشهادته . امّا القرآن فما نبّه عليه بقوله ، و كانّه لم يسمع الى آخر الآية و وجه الدليل انّ المشبّهة ، و عبدة الاصنام ،

ينكشف لهم فى الآخرة انّهم كانوا ضالّين فى تشبيه اصنامهم بربّ العالمين ، فيترتّب دليل هكذا ، المشبّهة ضالّون فى تشبيههم لربّهم ، و كلّ من كان ضالاّ فيه فليس بعارف به ،

و كذلك كل من كان كذلك فليس بمنزّه له عن المثل .

و امّا البرهان : فلانّ المشبّه له بخلقه يلزمه الحكم عليه بلوازم خلقه من الامكان و الحدوث لانّ لازم المتشابهين لا يختلف . و قوله : كذب العادلون ، الى قوله : عقولهم :

تكذيب لهم و اشارة الى تفصيل جهات عدولهم الى سبب ذلك و هو الوهم الّذى هو منشأ التشبيه ، اذ كان حكمه لا يرتفع عن المحسوسات و لذلك لم يرتفع المشبّه للّه عن تشبيه الاصنام ، و اشخاص الاجسام ، و تجزئتهم له تجزئة المجسّمات هو : ما يلزم حكمهم بكونه جسما من اثبات الاعضاء له و تباينها . و قوله : و اشهد ، الى قوله : بيّناتك : شهادة

[ 221 ]

ثانية بالكفر على من شبّهه ، و بيّن ذلك بقياس اسند كبراه الى كتاب اللّه ، و نصوص آياته المحكمة ، و بيّناته الانبياء و شواهد حججهم هى تلك الآيات كقوله تعالى : ( قُلْ ائنكم لتكفرون بالّذى خلق الارض ) 1 الآية . و امّا صغراه فلانّ الشبيه هو المثل و العديل . و قوله :

و اشهد ، الى قوله : مصرّفا : شهادة ثالثة هى خلاصة الاوّلتينّ بكمال الوهيته ، و تنزيهه عن التناهى فى العقول البشريّة و احاطتها به ، و تنبيهه على ما يلزم تناهيه فيها من كونه ذا كيفيّة تستثبته العقول : و يصرّفها بها الوهم و الخيال . و مصرّفا أى : محكوما عليه فى ذاته فى العقول باطلا .

و منها :

قدّر ما خلق فأحكم تقديره ، و دبّره فأحسن تدبيره ، و وجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ، و لم يقصّردون الانتهاء إلى غايته ، و لم يستصعب إذ أمر بالمضىّ على إرادته ،

و كيف و إنّما صدرت الأمور عن مشيئته ؟ المنشى‏ء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها ، و لا قريحة غريزة أضمر عليها ، و لا تجربه أفادها من حوادث الدّهور ، و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتمّ خلقه و أذعن لطاعته ، و أجاب الى دعوته ، و لم يعترض دونه ريث المبطى‏ء ، و لا أناة المتلكّى‏ء ، فأقام من الأشياء أودها ، و نهج حدودها ، و لاءم بقدرته بين متضادّاتها ، و وصل أسباب قرائنها ، و فرّقها أجناسا مختلفات فى الحدود و الأقدار و الغرائز و الهيئات بدايا خلائق أحكم صنعها ، و فطرها على ما أراد و ابتدعها . اقول :

احكام تقديره خلقه على وجه الحكمة ، و حسن تدبيره ايجاده كاملا فى منفعته ، و ما خلق لاجله حسنا فى صورته ، و توجّهه : لوجهته بعثه بحسب الحكمة و العناية الآلهية الى غايته ، و تيسيره لها و وقوفه عندها فى ابداعه لخلقه ، و قريحة الغريزة : قوّة الفكر ، و اذعان خلقه دخوله فى حكم قدرته و ذلّ الحاجة اليه . و الريث و الاناة و التلكّى : التباطؤ و هو من لواحق الجسم ، فكان تعالى منزّها فى خالقيته عنها . و الأود : الاعوجاج ، و اقامتها

-----------
( 1 ) سوره فصلت 9 .

[ 222 ]

لأودها : افادتها ما ينبغى لها على وجه الحكمة . و حدودها : طرقها . و نهجه لها : ايضاحه لكل شى‏ء سبيل قصده و غايته و تيسيره لذلك ، و وصلة لاسباب قرائنها : كون كل شى‏ء له قرينة من غريزة و طبيعة و لازم و نحوها ، و اقتران الشيئين مستلزم لاقتران اسبابهما و اتّصالهما لاستحالة قيام الشى‏ء بدون سببه ، و هو منسوب الى قدرته تعالى . البدايا جمع بدية و هى : الخلقة المعجبة ، و اراد هى بدايا اى : عجائب مخلوقات احكم صنعها على وفق ارادته ، و باللّه التوفيق .