منها فى صفة السماء :

و نظم بلا تعليق رهوات ، فرجها ، و لا حم صدوع انفراجها ، و وشّج بينها و بين أزواجها . و ذلّل للهابطين بأمره ، و الصّاعدين بأعمال خلقه ، حزونة معراجها ، ناداها بعد إذ هى دخان فالتحمت عرى أشراجها وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها . و أقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها ، و أمسكها من أن تمور فى خرق الهواء بأيده و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره ، و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، و قمرها آية ممحوّة من ليلها ،

فأجراهما فى مناقل مجراهما ، و قدّر سيرهما فى مدارج درجهما ليميّز بين اللّيل و النّهار بهما ، و ليعلم عدد السّنين و الحساب بمقاديرهما ، ثمّ علّق فى جوّها فلكها ، و ناط بها زينتها : من خفيّات دراريّها ، و مصابيح كواكبها و رمى مسترقى السّمع بثواقب شهبها ،

و أجراها على إذلال تسخيرها من ثبات ثابتها ، و مسير سائرها ، و هبوطها و صعودها ، و نحوسها و سعودها . اقول : الرهوات جمع رهوة ، و هى : الفرجة المتسعة . و الصدوع : الشقوق . و وشّج بالتشديد : شبك ، و اراد بازواجها : نفوسها و هى الملائكة السماوية ، بمعنى قرائنها و كل قرين زوج اى : ربط بينها و بين نفوسها بقبول كل جرم سمّاوى لنفسه التى لا يقبلها غيره . و الحزونة : الصعوبة . و الاشراج جمع شرج بالفتح و هى : عرى العيبة التى تخاط بها ،

و هو اشارة الى تأليف اجزائها فى حدوثها و نداؤها لها حكم قدرته الإلهية عليها بالكون ،

[ 223 ]

و الارتتاق : الالتصاق . و فتق صوامت أبوابها : مثل بالمطر و قيل : كانت كرة واحدة ففتق ما بينها كقوله تعالى : ( ا و لم ير الذين كفروا انّ السموات و الارض كانتا رتقا ففتقناهما ) 1 و النقاب جمع نقب بفتح النون و هو : الطريق فى الجبل . و الرصد الّذى اقامه هو :

الشهب : و ذلك انّ العرب كانت تعتقد ان الشياطين تصعد الى السماء فتسترق الغيب من الملائكة ، ثم تلقيه الى الكهنة و السحرة فلما آن دور الستر و النهى عن التكهن و نحوه لما فيه من فساد اذهان الخلق ، ألقى الوحى اليهم انّ الشهب انّما جعلت رجوما للشياطين ، فكلّ من استرق منهم رمى بشهاب ، و انّ السماوات حجبت عنهم لتنقطع اوهام الخلق عن غير الوحى و انوار النبوّة و قد قر ذلك فى الخطبة الأولى .

و تمور : تتحرّك . و ايده : قوّته ، و روى بائدة اى : هالكة . و ابصار آية النهار هو : تمام ضياء الشمس الّذى هو مادّة الإبصار . و محو آية الليل هو : ما على القمر من لطخ السواد .

و قيل : ابصار ، آية النهار كون نور الشمس لذاتها ، و محو آية الليل : كون نور القمر مستفادا من الشمس ، و مناقل مجراهما و مدارج درجهما ، هى : بروجهما و منازلهما ، و مقادير سيرهما ، و اذلال تسخيرهما : ذلّتها مسخّرة تحت حكم القدرة الألهية كقوله تعالى :

( و الشّمس و القمرَ و النجومَ مُسَخّراتٍ بأمره ) 2 و السيّارة هى : الكواكب السبعة النيران ،

و الخمسة المتحريّة . و الثواقب هى : باقى الكواكب ، و فلكها الثامن ، و صعودها : طلبها لشرفها ما دام الكوكب متوجّها الى قوّة شرفه ، فهو فى الصعود و الازدياد ، فاذا جازها صار فى الانتفاض و الهبوط ، و هبوط كل كوكب يقابل شرفه ، و معنى سعودها و نحوسها : كون اتّصالاتها اسبابا لصلاح شى‏ء من عالم الكون و فساده ، و باللّه التوفيق .