و منها فى صفة الملائكة :

ثمّ خلق سبحانه لاسكان سمواته ، و عمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته ، ملأبهم فروج فجاجها ، و حشابهم فتوق أجوائها و بين فجوات تلك الفروج زجل المسبّحين منهم فى حظائر القدس ، و سترات الحجب ، و سرادقات المجد ، و وراء ذلك

-----------
( 1 ) سورة الانبياء 30

-----------
( 2 ) سورة الاعراف 54 .

[ 224 ]

الرّجيج الّذى تستكّ منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة على حدودها ، أنشأهم على صور مختلفات ، و أقدار متفاوتات أولى أجنحة تسبّح جلال عزّته لا ينتحلون ما ظهر فى الخلق من صنعته ، و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا ممّا انفرد به ، بل عباد مكرمون ( لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون ) جعلهم فيما هنا لك أهل الأمانة على وحيه ، و حمّلهم إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه ، و عصمهم من ريب الشّبهات ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته ، و أمدّهم بفوائد المعونة ، و أشعر قلوبهم تواضع إخبات السّكينة ،

و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده ، و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده لم تثقلهم موصرات الآثام ، و لم ترتحلهم عقب اللّيالى و الأيّام ، و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم ، و لم تعترك الظّنون على معاقد يقينهم ، و لا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم ،

و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ، و ما سكن من عظمته و هيبة جلالته فى أثناء صدورهم ، و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم : منهم من هو فى خلق الغمام الدّلّح ، و فى عظم الجبال الشّمّخ ، و فى قترة الظّلام الأبهم ، و منهم من خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى ، فهى كرايات بيض قد نفذت فى مخارق الهواء ،

و تحتها ريح هفّافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ، قد استفرغتهم أشغال عبادته ، و وصلت حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته و قطعهم الإيقان به إلى الوله إليه ، و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره ، قد ذاقوا حلاوة معرفته ، و شربوا بالكأس الرّويّة من محبّته ، و تمكّنت من سويداء قلوبهم ، و شيجة خيفته ، فحنوا بطول الطّاعة اعتدال ظهورهم ،

و لم ينفد طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم ، و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة ربق خشوعهم ،

و لم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، و لا تركت لهم استكانة الإجلال ، نصيبا فى تعظيم حسناتهم ، و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ، و لم تغض رغباتهم ،

فيخالفوا عن رجاء ربّهم ، و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ، و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم ، و لم تختلف فى مقادم الطّاعة مناكبهم ، و لم يثنوا إلى راحة التّقصير فى أمره رقابهم ، و لا تعدو على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات ،

و لا تنتضل فى هممهم خدائع الشّهوات قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم . و يمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ، لا يقطعون أمد غاية عبادته ، و لا يرجع بهم

[ 225 ]

الاستهتار بلزوم طاعته ، إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته ، لم تنقطع أسباب الشّفقة منهم ، فينوا فى جدّهم ، و لم تأسرهم الأطماع فيؤثروا و شيك السّعى على اجتهادهم ، و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، و لو استعظموا ذلك لنسخ الرّجاء منهم شفقات و جلهم ، و لم يختلفوا فى ربّهم باستحواذ الشّيطان عليهم و لم يفرّقهم سوء التّقاطع ،

و لا تولاّهم غلّ التّحاسد ، و لا شعبتهم مصارف الرّيب ، و لا اقتسمتهم أخياف الهمم ، فهم أسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ ، و لا عدول و لاونى و لا فتور ، و ليس فى أطباق السّماء موضع إهاب إلاّ و عليه ملك ساجد ، أوساع حافد يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما و تزداد عزّة فى قلوبهم عظما . اقول : الصفيح الأعلى : اشارة الى الفلك التاسع ، و هو العرش لكونه اعظم الأجرام و اعلاها ، و سكانه الملائكة المدبّرون له . و فجاجها : طرقها الواسعة . و اجوائها : الامكنة العالية المتسعة بها . و فجوات الفرج : متّسعاتها . و الزجل : الأصوات . و سمّيت حظائر القدس : لطهارتها عن فجآت الجهل . و الحجب : اشارة الى حجب الغيب او السماوات .

و استعار لفظ السرادق و هو الستر الّذى يمّد فوق البيت ، لما يعقل من عظمة الملائكة فى تنزّههم عن الجسمية و لواحقها ، باعتبار انّ ذلك المجد و الشرف هو الحاجب لهم عنّا .

و كالسرادق المضروب بيننا و بينهم . و الرجيج : الزلزلة و الاضطراب . و تستك الاسماع :

تصم . و اشار بسبحات النور : الى جلال اللّه و عظمته و تنزيهه ان يصل اليه أبصار الملائكة ، و نبّه بكون ذلك وراء رجيجهم على انّ معارفهم لا يتعلق به كما هو ، بل وراء علومهم اطوارا اخرى من جلاله يقصر معارفهم عنها ، و خاسئة ذليلة متحيّرة . و اختلاف صورهم : اختلافهم بالنوع و تفاوت اقدارهم : تفاوت مراتبهم فى الكمال ، و استعار لفظ الأجنحة : امّا لقواهم العقلية ، او لمعارفهم التى يطيرون بها فى بيداء جلال اللّه ،

و ينتحلون : يدّعون صنعة شى‏ء من خلقه . و ريب الشبهات : الشك الواقع عنها . و اخبات السكينة : تذلّلها ، و اشعر قلوبهم ذلك التواضع جعله شعارا ملازمالها . و استعار لفظ الأبواب : بوصف الذلّة للوجوه اللائقة من تمجيده . و وصف الفتح : لسهولتها عليهم لبراءة عقولهم عن معارضات النفس الامّارة . و لفظ المنار : لما يستفيدون منه تصوّر صفاته

[ 226 ]

اللائقة بجلاله و كماله من اللوازم و الخواصّ و ما يستفيدون به اثبات ذلك له من البراهين و الادّلة ، و لفظ الاعلام : لصفاته و ما ينبغى ان يعرف به ، و نفى عنهم موصرات الآثام و هى ما اثقل الظهر منها . و نوازع الشكوك و هى : الخواطر المفسدة للعقائد ، و ما يقدح فى النفوس من الأحن و هى : الاحقاد و الحيرة و الوساوس الشيطانية ، لانّ مبادئ كل ذلك هو النفس الامّارة . و عقب الليالى و الأيام تعاقبها . و العقبة : المرّة من التعاقب . و روى بنوازعها بالعين المهملة ، و هى : القسىّ ، و هو مستعار لتلك الخواطر المفسدة ايضا .

و الاقتراع و التقارع : التضارب . و الرين : الغلبة و التغطية . و الدّلج جمع دالجة و هى : الثقال بالماء . و الشمخ : العالية . و قترة الظلام : سواده . و الأبهم الّذى لا يهتدى فيه . و الهفافة :

الساكنة الطيبة . و وشيحة الشجرة : عروقها . و وشيجة خيفته : ما خالط منها ذواتهم .

و استعار وصف حنى الظهور : لكمال عبادتهم . و لفظ الربق : لما حصلوا فيه من الخشوع ،

و نفى الاعجاب عنهم لاستلزامه النفس الامّارة . و الدّؤوب الجدّ فى العمل . و رغبات الملائكة السماوية : اشواقها الى كمالاتها . و استعار لفظ الألسنة و رشّح بذكر الاسلات جمع اسلة و هى : طرف اللسان . و قوله : و لا ملكتهم ، الى قوله : اصواتهم ،

فالهمس : الخفىّ من الصوت اى : لم يضعفهم العبادة فتنقطع اصواتهم فتخفى بالتضرّع اليه ، و هو تنزيه لهم عن الاحوال البشريّة و العوارض البدنيّة .

و قوله : و لم يختلف ، الى قوله : رقابهم : استعار لفظ المقادم من ريش الطائر لما سبق وجوبه من الطاعة كمعرفته تعالى و توحيده . و لفظ المناكب و هى : الريش بعد المقادم لذواتهم ، و وجه المشابهة انّ الملائكة لا تختلف ذواتهم ، و اجرامهم الفلكية ، فى نسق ما اهتم من عبادة اللّه و معرفته ، بل صافّون لا يتزايلون فى استقامة طريقهم اليه ،

كالمناكب البالية للمقادم ، و على نظامها و ترتيبها لا يختلف نسقها . و روى مقاوم الطاعة : جمع مقام . و عزيمة جدّهم : ارادتهم الجازمة فيه ، و استعار وصف الانتصال : لما ترمى به النفس الامّارة العقل من غرورها و خداعها بشهواتها ، فتقطعه عمّاهم به من الطاعة . و الاستهتار بالشى‏ء : الولوع و التجاهربه . و الشفقة الاسم من الاشفاق و هو الخوف . و ينوا : يضعفوا و يتكاسلوا . و وشيك السعى : قريبه ، و نفى الاطماع عنهم لأنّها من عوارض البشريّة ، و كذلك استحواذ الشيطان عليهم اى : احاطته بهم . و غلّ التحاسد :

[ 227 ]

اى حقده ، و تصاريف الريب وجوه الشكوك . و تشعبتهم : اقتسمتهم . و اخياف الهمم مختلفاتها . و استعار لفظ الاسراء لهم باعتبار عدم تمكينهم من الخروج عن الايمان بمقتضى ذواتهم . و لفظ الربقة و هى : العروة فى الحبل للايمان اللازم لهم .

و غرض الفصل تمجيد اللّه تعالى : بخلق العالم الأعلى من الملائكه على اختلاف انواعهم و ما لهم من الكمال الاشرف على سائر الموجودات ، و قد نبهنا على تأويلات ضعيفة عساها يصار الى بعضها فى الأصل ، و اللّه أعلم .