90 و من خطبة له عليه السّلام

أمّا بعد أيّها النّاس ، فأنا فقأت عين الفتنة ، و لم تكن ليجرؤ عليها أحد غيرى بعد أن ماج غيهبها ، و اشتدّ كلبها ، فاسألونى قبل أن تفقدونى ، فو الّذى نفسى بيده لا تسألونى عن شى‏ء فيما بينكم و بين السّاعة ، و لا عن فئة تهدى مائة و تضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها ،

و قائدها ، و سائقها ، و مناخ ركابها ، و محطّ رحالها ، و من يقتل من أهلها قتلا ، و يموت منهم موتا ، و لو قد فقدتمونى ، و نزلت بكم كرائه الأمور ، و حوازب الخطوب ، لأطرق كثير من السّائلين ، و فشل كثير من المسئولين ، و ذلك إذا قلّصت حربكم و شمّرت عن ساق ،

و ضاقت الدّنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه أيّام البلاء عليكم حتّى يفتح اللّه لبقيّة الأبرار منكم ، إنّ الفتن إذا أقبلت شبّهت ، و إذا أدبرت نبّهت : ينكرن مقبلات ، و يعرفن مدبرات ،

يحمن حول الرّياح يصبن بلدا و يخطئن بلدا ، ألا إنّ أخوف الفتن عندى عليكم فتنة بنى أميّة ، فإنّها فتنة عمياء مظلمة : عمّت خطّنها ، و خصّت بليّتها ، و أصاب البلاء من أبصر فيها و أخطأ البلاء من عمى عنها ، و ايم اللّه لتجدنّ بنى أميّة لكم أرباب سوء بعدى كالنّاب الضّروس : تعذم بفيها ، و تخبط بيدها ، و تزبن برجلها ، و تمنع درّها ، لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا منكم إلاّ نافعا لهم أو غير ضائر بهم ، و لا يزال بلاؤهم حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار العبد من ربّه و الصّاحب من مستصحبه ، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيّة ، و قطعا جاهليّة ليس فيها منار هدى ، و لا علم يرى ، نحن أهل البيت منها

-----------
( 1 ) فى ش : اليقين .

[ 233 ]

بمنجاة ، و لسنا فيها بدعاة ، ثمّ يفرّجها اللّه عنكم كتفريج الأديم : بمن يسومهم خسفا ،

و يسوقهم عنفا ، و يسقيهم بكأس مصبّرة ، لا يعطيهم إلاّ السّيف ، و لا يحلسهم إلاّ الخوف ،

فعند ذلك تودّ قريش ، بالدّنيا و ما فيها ، لو يروننى مقاما واحدا ، و لو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطوننى . اقول : اراد بالفتنة فتنة اهل البصرة ، و استعار وصف فقاء العين : لقتله لهم و ازالة فتنتهم ، و قوله : و لم يكن ليجرئ عليها احد غيرى لانّ الناس كانوا لا يتجاسرون على قتال اهل القبلة و لا يعلمون كيفية قتالهم ، هل يلحقون بالكفّار فى اتّباع مدبرهم و الاجهاز على جريحهم و سبى ذراريهم و اخذ أموالهم اذا بغوا ، ام لهم حكم آخر حتّى اقدم عليه السلام على قتلهم و علّمهم كيف تصنع بهم ، و استعار لفظ الغيهب و هو الظلمة : لتلك الفتنة باعتبار التباس الحقّ فيها . و الكلب : الشّر . و استعار اوصاف الإبل و لواحقها من الناعق و القائد و السائق و المناخ و الركاب و الرجال : للفئة الهادية و المضلّة و المهديّة و الضالّة باعتبار انقيادهم لدعاتهم . و حوازب الامور : ما عظم منها و اهمّ . و اطراق السائلين لحيرتهم فى عواقب تلك الخطوب و كيفية الخلاص فى الدّين . و قوله : و ذلك اشارة الى فشل المسئولين . و استعار وصف التقلّص و هو : التقبّض للحرب ملاحظة لشبهها بالجدّ فى السعى المشمّر ثوبه . و بقية الابرار من يسلم من دولة بنى اميّة فى دينه و من يولد من اهل طاعة اللّه . و قوله : انّ الفتن اذا اقبلت شبّهت ، اى : تكون فى مبدء امرها مشابهة للحق فى اذهان الخلق فاذا ادبرت نبّهت اذهانهم على كونها فتنة بعد وقوع الهرج و المرج و اضطراب الامر .

و قوله : ينكرن ، الى قوله : مدبرات : تفسير له و استعار وصف الحوم : لدورانها الموهوم ، و وقوعها عن قضاء اللّه من دعاة الضلال فى بلد ، دون بلد ، ملاحظة لشبهها بالطائر . و قوله : الا انّ اخوف الفتن ، الى آخره : انّما كانت هذه اخوف الفتن لشدّتها و طول مدّتها و انهدام قواعد الدين بها . و استعار لها لفظ العمياء : لانّها مخالفة للحق او لجريانها على غير طريق شرعىّ كالأعمى فى طريقه ، و كذلك لفظ الظلمة و عموم خطتها : كناية عن احاطتها و شمولها للناس . و خصّت بليّتها اى : بأهل التقوى من شيعة

[ 234 ]

عليّ ، و من بقى من الصحابة و التابعين الّذين هم اعيان الاسلام . و من أبصر فيها أى : علم كونها فتنة كان منها فى ملاء مع نفسه بالحزن الطويل لمشاهدة المنكرات ، و من شأن ائمة الضّلال تتّبع من انكر افعالهم بالقتل و الإذلال فكان البلاء به اخصّ ، و امّا من عمى عن كونها فتنة حتى خبط معهم فى ضلالهم اخطاء هم بلاؤهم ، و شبّههم فى أفعالهم الرّدية بالناب الضرس و هى : الناقة المسنّة التى تعضّ حالبها . و وجه شبه انتصارهم من ائمة الضّلال بانتصار العبد من سيّده عدم انتصافه منه الاّ بالغيبة و السبّ فى الخلوة .

و الشآبيب جمع شؤبوب و هو : الدفعة من المطر . و استعار لفظ الشوهاء : لقبحها عقلا و شرعا . و لفظ المنار هو العلم : للامام العادل ، باعتبار الهداية به . و قوله : نحن اهل البيت منها بمنجاة ، اى : من آثامها و الدعوة الى مثلها ، و ليس المراد انّا سالمون من اذاها . و من يسومهم خسفا : اشارة الى بنى العباس و ظهورهم عليهم و استيصالهم . و استعار لفظ الكأس المصبّرة : لمرارة ما يفعل بهم و تألّمهم به . و وصف الاحلاس : لالزامهم البلاء ممن يظهر عليهم . و الحليس : كساء رقيق يوضع تحت قتب البعير . و قوله : حتّى ، الى آخره : اشارة الى ما ينتهى اليه هذه الفرقة المتغلّبة من قريش من التراذل و الضعف الى ان يتمنّوا رؤيته مقاما واحدا .

و روى انّ مروان بن محمد آخر ملوك بنى امية قال يوم الزاب حين شاهد عبد اللّه ابن محمد بن على بن عبد اللّه بن العبّاس مارّا به فى صفّ خراسان : لوددت انّ على بن ابى طالب تحت هذه الرايات بدلا من هذا الفتى . و القصّة مشهورة و باللّه التوفيق .