منها : في وصف الانبياء

فاستودعهم فى أفضل مستودع ، و أقرّهم فى خير مستقرّ ، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام ، كلّما مضى منهم سلف قام منهم بدين اللّه خلف ، حتّى أفضت كرامة اللّه سبحانه إلى محمّد ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ، و أعزّ الأرومات مغرسا من الشّجرة الّتى صدع منها أنبياءه ، و انتخب منها أمناءه ،

عترته خير العتر ، و أسرته خير الأسر ، و شجرته خير الشّجر ، نبتت فى حرم ، و بسقت فى كرم لها فروع طوال ، و ثمرة لا تنال ، فهو إمام من اتّقى ، و بصيرة من اهتدى ، سراج لمع ضوءه ، و شهاب سطع نوره ، و زند برق لمعه ، سيرته القصد و سنّته الرّشد ، و كلامه الفصل ،

و حكمه العدل ، على حين فترة من الرّسل و هفوة عن العمل ، و غباوة من الأمم .

إعملوا ، رحمكم اللّه ، على أعلام بيّنة ، فالطّريق نهج يدعو إلى دار السّلام و أنتم فى دار مستعتب على مهل و فراغ ، و الصّحف منشورة ، و الأقلام جارية ، و الأبدان صحيحة ،

و الألسن مطلقة ، و التّوبة مسموعة و الأعمال مقبولة . اقول : الاشارة الى الانبياء عليهم السلام ، و افضل مستودع استودعهم فيه ، امّا نفوسهم فحضائر القدس و منازل الملائكة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر . و امّا أبدانهم و اصولها فكرايم الاصلاب التى هى مستودع النّطف ، و ارحام المطهّرات التى هى مفازها . و الشيعة يطهّرون اصول الانبياء من طرف الآباء و الامّهات عن الشرك . و اليه اشار الرسول صلّى اللّه عليه و آله بقوله : ( نقلنا من الاصلاب الطاهرة الى الارحام الزكّية ) 1 .

و امضت : انتهت ، و كنّى بكرامة اللّه عن : النبوّة . و استعار لفظ المعدن و المغرس و المنبت : لطينة النبوّة و هى مادّته القريبة التى استعدّت لقبول مثله . و قيل : اراد بذلك مكة . و قيل : بيته و قبيلته . و الارومة : الاصل ، و لفظ الشجرة : لقريش . و عترة الرجل :

نسله و اسرته و قومه ، و وجه افضليّة عترته قوله صلّى اللّه عليه و آله : ( سادة اهل المحشر سادة اهل الدنيا انا ، و علىّ و حسن و حسين و حمزة و جعفر ) 2 . و وجه افضليّة اسرته قوله

-----------
( 1 ) دلائل النبوة 24 . تفسير الفخر الرازى 24 173

-----------
( 2 ) مستدرك الصحيحين 3 211 . تاريخ بغداد 9 434 .

[ 236 ]

صلّى اللّه عليه و آله : ( انّ اللّه اصطفى من العرب معدا ، و اصطفى من معد بنى النضر بن كنانة ، و اصطفى هاشما من بنى النضر ، و اصطفانى من بنى هاشم ) . و قوله : ( الناس تبّع لقريش برّهم لبرّهم ، و فاجرهم لفاجرهم ) .

و قيل : اراد بالشجرة فى الموضعين ابراهيم عليه السلام . و قيل : اراد هاشما و ولده بقرينة قوله : نبتت فى حرم و اراد مكة . و بسقت : طابت و كنى بفروعها عن : مثله عليه السلام و ذريّته و بوصفهم بالطول عن بلوغهم فى الشرف الغاية البعيدة . و استعار لفظ الثمرة : لكمالهم الّذى لا يدرك من العلوم و الاخلاق الكريمة . و استعار لفظ البصيرة و السراج و الشبهات و الزند له : باعتبار كونه سبب هداية الخلق بانوار الدين . و الفصل :

الفاصل بين الحق و الباطل . و الهفوة : الذلّة . و الغباوة : الجهل . و استعار لفظ الاعلام :

لأئمّة الدين و دلائله الواضحة و طريق نهج واضح . و دار مستعتب اى : يمكن فيها طلب العتبى ، و هو الرجوع الى الحق . و قيل : اى دار يمكنهم فيها ان يطلبوا من اللّه العتبى و هو : الرضى و العفو عنهم . و المنشورة : صحف الأعمال . و الجارية : اقلام الكرام الكاتبين .