93 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الأوّل فلا شى‏ء قبله ، و الآخر فلا شى‏ء بعده ، و الظّاهر فلا شى‏ء فوقه ،

و الباطن فلا شى‏ء دونه . اقول : المراد بالظاهر هنا العال لتأكيده بنفى الفوقية عنه ، و الباطن هو : الّذى بطن خفيّات الامور ، علما ، و هو اقرب الاشياء اليها بهذا الاعتبار فلذلك سلب ما هو دونه اى : ما هو اقرب اليها منه ، و قد سبق بيان هذه الاعتبارات .

منها فى ذكر الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم :

مستقرّه خير مستقرّ ، و منبته أشرف منبت ، فى معادن الكرامة ، و مماهد السّلامة ، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار ، و ثنيت إليه أزمّة الأبصار ، دفن به الضّغائن ، و أطفأ به الثّوائر ،

ألّف به إخوانا ، و فرّق به أقرانا أعزّ به الذّلّة ، و أذلّ به العزّة ، كلامه بيان ، و صمته لسان . اقول : مستقرّه : مكة ، و هى خير مستقّرّ لكونها امّ القرى ، و محلّ بيت اللّه الحرام .

و استعار مماهد السّلامة : لأراضى الحجاز كالمدينة و مكة لكونهما محلّ العبادة و الخلوة باللّه و السّلامة من عذابه . و يحتمل ان يريد ما ينقلب فيه ، و ينشأ عليه من مكارم الاخلاق الممهّدة للسلامة من سخط اللّه ، و فى قوله : قد صرفت : تنبيه على انّ الصارف لافئدة الابرار اليه ، هو : لطف اللّه تعالى ، و عنايته بهم . و ثنيت اى : صرفت . و الأقران المفرّق لهم : المتالّفون على الشرك و الذلّة التى اعزّها به ذلّة المسلمين ، و الذلّة التى اذلّها به عزّة المشركين . و قوله : وصمته لسان اى : انّ سكوته مما يفيد حكما ككلامه ، فانّ الصحابة كانوا اذا فعلوا فعلا على عادتهم فسكت عنه علموا انّه مباح فى الدين ، فاشبه ذلك البيان باللسان فاستعار لفظه له .

[ 238 ]