94 و من كلام له عليه السّلام

و لئن أمهل الظّالم فلن يفوت أخذه ، و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه ، و بموضع الشّجى من مساغ ريقه ، أما و الّذى نفسى بيده ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ، و لكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم و إبطائكم عن حقّى . و لقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، و أصبحت أخاف ظلم رعيّتى : استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، و أسمعتكم فلم تسمعوا ، و دعوتكم سرّا و جهرا فلم تستجيبوا ، و نصحت لكم فلم تقبلوا أشهود كغيّاب ، و عبيد كأرباب ؟ ؟ أتلوا عليكم الحكم فتنفرون منها ، و أعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، و أحثّكم على جهاد أهل البغى فما آتى على آخر القول حتّى أراكم متفرّقين أيادى سبا ترجعون إلى مجالسكم و تتخادعون عن مواعظكم ، أقوّمكم عدوة و ترجعون إلىّ عشيّة كظهر الحيّة عجز المقوّم ، و أعضل المقوّم .

أيّها الشّاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم المختلفة أهواؤهم المبتلى بهم أمراؤهم صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه ، و صاحب أهل الشّام يعصى اللّه و هم يطيعونه ؟ لوددت و اللّه أنّ معاوية صارفنى بكم صرف الدّينار بالدّرهم ، فأخذ منّى عشرة منكم و أعطانى رجلا منهم .

يا أهل الكوفة ، منيت منكم بثلاث و اثنتين : صمّ ذوو أسماع ، و بكم ذوو كلام ،

و عمى ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللّقاء ، و لا إخوان ثقة عند البلاء . تربت أيديكم .

يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلّما جمعت من جانب تفرّقت من جانب آخر ،

و اللّه لكأنّى بكم فيما إخال أن لو حمس الوعى ، و حمى الضّراب ، و قد انفرجتم عن ابن أبى طالب انفراج المرأة عن قبلها ، و إنّى لعلى بيّنة من ربّى ، و منهاج من نبيّى ، و إنّى لعلى الطّريق الواضح ألقطه لقطا انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم ، و اتّبعوا أثرهم ،

فلن يخرجوكم من هدى و لن يعبدوكم فى ردى . فإن لبدوا فالبدوا ، و إن نهضوا فانهضوا ،

و لا تسبقوهم فتضلّوا ، و لا تتأخّروا عنهم فتهلكوا ، لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، فما أرى أحدا منكم يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا ، و قد باتوا سجّدا و قياما ،

يراوحون بين جباههم و خدودهم ، و يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأنّ بين

[ 239 ]

أعينهم ركب المعزى ، من طول سجودهم إذا ذكر اللّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم ،

و مادوا كما يميد الشّجر يوم الرّيح العاصف ، خوفا من العقاب ، و رجاء للثّواب . اقول : المرصاد : الطريق يرصد بها . و الشّجى : الغصص . و قوله : و لئن امهل اللّه ، الى قوله : ريقه : فى معرض الوعيد لمعاوية و اهل الشام بأخذ و عقوبة . و القوم : اهل الشام .

و شبّههم فى شهودهم بالغيّاب لعدم فائدة خطابهم . و بالارباب مع كونهم رعيّة من شأنهم التعبّد لأوامر امامهم ، اولانّ فيهم عبيدا . و وجه الشبه كونهم لا يأتمرون لأميرهم . و ايادى سبا مثل : و هما اسمان جعلا اسما واحدا كمعدى كرب . و سبا : قبيلة من اولاد سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان . و هذه القبيلة كانت بمأرب و قصتهم فى تفرّقهم مشهورة يضرب بها المثل . و شبّه رجوعهم عن الصلاح مظهر الخيبة و هى : القوس . و اغضل :

اشكل ، و انّما قال :

بثلاث و اثنتين لتناسب الثلاث ، و كون الثنتين من نوع واحد فالثلاث اثبات و الثنتيان سلب و استعار لهم : وصف الصمّ و البكم و العمى ، باعتبار عدم انتفاعهم بهذه الآلات فى طاعة اللّه . و لا احرار صدق لعدم خلوص حرّيتهم من الجبن و الغشّ . و تربت : اصابت التراب و هودعاء بالخيبة و الحرمان . و يروى عوض جمّعت :

حيصت اى : جمعت ايضا . و اخال : احسب . و حمس الوغى : اشتدّت الحرب . و لفظ الطريق اذا مشى على بصيرة و تؤدّة ، و يلزم ذلك ان يعرفها خلاف المستعجل فيها . و لبدوا سكنوا ، و اراد : ان سكنوا عن طلب الأمر فاتبعوهم فى ذلك ، و ان نهضوا فى طلبه فانهضوا و لا تسبقوهم اى : الى امر لم يتقدّموا فيه ، فانّ التقدّم على الدليل مظنّة الضلال عن القصد ،

و ان لا تتاخّروا عن امتثال اوامرهم بالمخالفة لهم او عدم متابعتهم .

و الشعث الغبر كناية : عن قشفهم و تركهم لزينة الدنيا . و كنّى بوقوفهم على مثل الجمر عن خوفهم من ذكر معادهم ، و باللّه التوفيق .

[ 240 ]