96 و من خطبة له عليه السّلام

نحمده على ما كان ، و نستعينه من أمرنا على ما يكون ، و نسأله المعافاة فى الأديان ، كما نسأله المعافاة فى الأبدان .

عباد اللّه ، أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم ، و إن لم تحبّوا تركها و المبلية لأجسامكم ، و إن كنتم تحبّون تجديدها ، فإنّما مثلكم و مثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه ، و أمّوا علما ، فكأنّهم قد بلغوه ، و كم عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها ،

حتّى يبلغها ، و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ؟ و طالب حثيث يحدوه فى الدّنيا حتّى يفارقها ؟ فلا تنافسوا فى عزّ الدّنيا و فخرها ، و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها ، و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها ، فإنّ عزّها و فخرها إلى انقطاع ، و إنّ زينتها و نعيمها إلى زوال و ضرّاءها و بؤسها إلى نفاد ، و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء ، و كلّ حيّ فيها إلى فناء ، أو ليس لكم فى آثار الأوّلين مزدجر ، و فى آبائكم الأوّلين تبصرة و معتبر ، إن كنتم تعقلون ؟ أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ؟ و إلى الخلف الباقين لا يبقون ؟ أو لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون و يمسون على أحوال شتّى : فميّت يبكى ، و آخر يعزّى ، و صريع مبتلى ، و عائد يعود ، و آخر بنفسه يجود ، و طالب للدّنيا و الموت يطلبه ، و غافل و ليس بمغفول عنه ؟ ؟ و على أثر الماضى ما يمضى الباقى .

[ 241 ]

ألا فاذكروا هادم اللّذّات ، و منغّص الشّهوات ، و قاطع الأمنيّات ، عند المساورة للأعمال القبيحة ، و استعينوا اللّه على أداء واجب حقّه ، و ما لا يحصى من أعداد نعمه و إحسانه . أقول : خصّ الحمد بما كان لانّ الشكر على النعمة مترتّب على وقوعها ، و الاستعانة بما يكون ، لانّ طلب المعونة انّما هو فيما يتوقّع فعله ، و لما كان للاديان سقما اشدّ من سقم الأبدان ، و هو : مرض النفوس بداء الجهل ، و رذائل الاخلاق ، سأل العافية فيها ، و رفض الدنيا : تركها . و السفر : المسافرون . و فائدة كان فى الموضعين تقريب الاحوال المستقبلة . من الاحوال الواقعه و كم عسى ، و ما عسى ، استفهام تحقير لما يرجى من البقاء فى الدنيا . و كنّى بالطالب :

الحثيث عن الموت ، و استعار وصف الحد و لما يتوهّم من سوق اسباب الموت اليه . و ما فى قوله : ما يمضى : مصدريّة . و كنّى بها دم اللذّات : عن الموت . و المساورة : المواثبة .

و انّما اتى بوزن المفاعلة باعتبار انّ الفعل القبيح ، لا بد فيه من ممانع كواضع الشرع و العرف فيتوهّم فيه معنى المواثبة . و باقى الفصل ظاهر .