98 و من خطبة له عليه السّلام

( يشتمل على ذكر الملاحم . . . ) الأوّل قبل كلّ أوّل ، و الآخر بعد كلّ آخر ، بأوّليّته وجب أن لا أوّل له و بآخريّته وجب أن لا آخر له ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه شهادة يوافق فيها السّرّ الإعلان ، و القلب اللّسان .

أيّها النّاس ، لا يجر منّكم شقاقى ، و لا يستهوينّكم عصيانى ، و لا تتراموا بالأبصار عند ما تسمعونه منّى ، فو الّذى فلق الحبّة ، و برأ النّسمة ، إنّ الّذى أنبّئكم به عن النّبىّ ، صلّى اللّه عليه و آله ، ما كذب المبلّغ ، و لا جهل السّامع . و لكنّى أنظر إلى ضلّيل ، قد نعق بالشّام ،

و فحص براياته ، فى ضواحى كوفان . فإذا فغرت فاغرته ، و اشتدّت شكميته ، و ثقلت فى الأرض وطأته عضّت الفتنة أبناءها بأنيابها ، و ماجت الحرب بأمواجها و بدا من الأيّام كلوحها ، و من اللّيالى كدوحها ، فإذا أينع زرعه ، و قام على ينعه ، و هدرت شقاشقه ، و برقت بوارقه ، عقدت رايات الفتن المعضلة و أقبلن كاللّيل المظلم ، و البحر الملتطم ، هذا ، و كم يخرق الكوفة من قاصف ، و يمرّ عليها من عاصف ، و عن قليل تلتفّ القرون بالقرون ، و يحصد القائم ، و يحطم المحصود . اقول : لما كان معنى اوليّته كونه مبدأ لكل موجود ، و معنى آخريته كونه غاية ينتهى

[ 244 ]

اليها كل شى‏ء فى جميع احواله ، علم من ذلك انّ لا اوّل له و لا آخر و الاّ لم يكن اوّلا و آخرا بالمعنيين المذكورين . و لا يجرمنّكم اى : لا يحق عليكم . و استهواه : اشتماله .

و الضليل : كثير الضلال ، قيل : هو اشارة الى السفيانى ، و الدجّال . و قيل : اراد معاوية ،

فانّ مبدء دولته بالشام ، و دعوته بها ، و انتهت غاراته الى نواحى كوفان ، و الانبار .

و كوفان : اسم للكوفة . و الضواحى : النواحى البارزة . و فحص الطائر برجله الارض :

بحثها . فغرفوه : انفتح ، هو كناية عن اقدامه و قوّة طمعه فى امر الناس . و اشتداد شكيمته :

قوّة بأسه و شدّته . و قيل : اراد عبد الملك بن مروان . و استعار وصف العضّ : للفتنة باعتبار شدّتها و لزومها الناس . و رشح بذكر الانياب و الكلوح : تكثر فى العبوس و هو مجاز فى الشدّة . و الكدح : فوق الخدش و كنى به : عن اذى الفتنة . و اينع الزرع : ادرك و استعار وصفه لتمام فعله ، و لفظ الشقائق و البروق : بحركاته الهائلة و احواله المخوفة ، و اراد انّ هذا الخارج اذا تمت فتنته اثارت فتنا كثيرة بعدها يكون فيها الهرج و المرج . و شبه تلك الفتن فى اقبالها : بالليل المظلم ، باعتبار انّه لا يهتدى فيها للحق كما لا يهتدى فى الظلمة .

و بالبحر الملتطم : باعتبار عظمها . و اشار الى ما يلحق الكوفة بسبب تلك الفتنة من الوقائع و الفتن . و استعار و صفى القاصف و العاصف : لما يمرّ بها من الشدائد كالريح ، و قد وقع فيها وفق اخباره فتن كثيرة و وقائع جمة كفتنة الحجّاج و المختار . و اشار بالتفاف بعض القرون ببعض : الى اجتماعهم فى بطن الارض . و استعار لهم وصف الحصد و الحطم :

ملاحظة لشبههم بما يحصد من الزرع و يداس ، و باللّه التوفيق .