99 و من خطبة له عليه السّلام

تجري هذا المجرى . . .

و ذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين لنقاش الحساب ، و جزاء الأعمال ،

خضوعا ، قياما ، قد ألجمهم العرق ، و رجفت بهم الأرض ، فأحسنهم حالا من وجد لقدميه موضعا ، و لنفسه متّسعا .

[ 245 ]

اقول : الفصل اقتصاص لبعض أهوال يوم القيامة ، و نقاش الحساب : الاستقصاء فيه .

و الجمهم العرق : بلغ منهم الافواه ، و هو كناية : عن غاية الشدّة .

منها :

فتن كقطع اللّيل المظلم ، لا تقوم لها قائمة ، و لا تردّ لها راية ، تأتيكم مزمومة مرحولة : يحفزها قائدها ، و يجهدها راكبها ، أهلها قوم شديد كلبهم ، قليل سلبهم ، يجاهدهم فى سبيل اللّه قوم أذلّة عند المتكبّرين ، فى الأرض مجهولون ، و فى السّماء معروفون ، فويل لك يا بصرة عند ذلك ، من جيش من نقم اللّه لا رهج له ، و لا حسّ ، و سيبتلى أهلك بالموت الأحمر ، و الجوع الأغبر . اقول : انذر فى هذا الفصل بما سيقع بعده من الفتن و خص فتنة صاحب الزنج بالبصرة . و شبهها بقطع الليل المظلم فى كونها لا يهتدى فيها لوجه الخلاص منها . و كنى :

بكونها لا يقوم لها قائمة الى قوله : راية عن شدّتها ، و اراد بقائدها : منشيها ، و براكبها :

اعوانه فيها استعارة . و كذلك حفزها و هو : سوقها ، و جهدها سرعتهم فيها : استعارة اوصاف الناقة المركوبة لغاية اشتد طلبها فى الفتن ، و اهلها : الزنج و كلبهم : شرّهم .

و قليل سلبهم : اذ لم يكونوا اهل حرب و عدّة و خيل . و وصف مقاتليهم بأوصاف المتّقين و يحتمل ان يريد بمجاهدتهم فى اللّه اخلاص همّهم فى دفعهم و هلاكهم ، و ظاهر انّه لم يكن للريح رهج و هو : الغبار و لا حسّ اذ لم يكن له خيل و لا قعقعة لجم ، و ظاهره انّهم من نقم اللّه للعصاة و ان عمّت الفتنة اذ قلّما يخص الفتنة بقوم كما قال تعالى :

( و اتّقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة ) 1 و الموت الأحمر كناية : عن القتل بالسيف ، و قيل : ذلك اشارة الى الطّاعون . و وصف الجوع بالأغبر : لانّ اشدّ الجوع ما اغبّر معه الوجه و غيّر السحنة و قيل : لانّه يلصق صاحبة بالغبراء و واقعة الزنج مشهورة .

-----------
( 1 ) سورة الانفال 25 .

[ 246 ]