100 و من خطبة له عليه السّلام

أنظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها ، الصّادفين عنها ، فإنّها و اللّه عمّا قليل تزيل الثّاوى السّاكن ، و تفجع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر ، و لا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، و جلد الرّجال فيها إلى الضّعف و الوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها ، لقلّة ما يصحبكم منها .

رحم اللّه امرا تفكّر فاعتبر ، و اعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ، و كأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ، و كلّ معدود منقض ، و كلّ متوقّع آت ، و كلّ آت قريب دان . اقول : نظر الزاهدين فيها الصّارفين نظر الاحتقار لها و الاعراض عنها . و الثاوى :

المقيم بها . و الجلد : القوّة . و اللام فى قوله : لقلّة ما يصحبكم للتعليل ، اى : لا يغرنّكم كثيرها لانّ الّذى يصحبكم من ذلك قليل كالكفن و نحوه ، و الاعتبار ما يفيده الفكر الى ما هو الحق من وجوب ترك الدنيا ، و العمل للآخرة . و الابصار : ما يلزم ذلك الانتقال من ادراك الحق و مشاهدته ببصر البصيرة . ثم افاد بالتشبيه الاوّل تقريب حال وجود متاع الدنيا من عدمه ، و بالتشبيه الثانى تقريب حال عدم الاحوال الاخرويّة من وجودها ، و نبّه على ذلك بقياس كامل من الشكل الاوّل ، و هو قوله : كلّ متوقّع . الى آخره .

منها :

العالم من عرف قدره ، و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، و إنّ من أبغض الرّجال لعبدا و كله اللّه إلى نفسه جائرا عن قصد السّبيل ، سائرا بغير دليل ، إن دعى إلى حرث الدّنيا عمل ، و إن دعى إلى حرث الآخرة كسل كأنّ ما عمل له واجب عليه ،

و كأنّ ماونى فيه ساقط عنه . اقول : حصر العالم فيمن عرف قدره لانّ ذلك يستلزم معرفته لنفسه ، و نسبتها الى

[ 247 ]

العالم و مقدار مرتبته من خلق اللّه ، و فى ذلك تمام العلم ، و يلزم من ذلك انّ من لا يعرف قدره لا يكون عالما لانّ سلب اللازم يستلزم سلب الملزوم فيكون اذن جاهلا . و اشار الى قوله : ذلك الجهل ، بقوله : و كفى ، الى قوله : قدره : و اراد بالدليل ما هدى الى الحق من امام او كتاب و سنّة و ما عمل له هو الدنيا ، و ماونى فيه : حرث الآخرة . و الفصل واضح .

منها :

و ذلك زمن لا ينجو فيه إلاّ كلّ مؤمن نومة : إن شهد لم يعرف . و إن غاب لم يفتقد ،

أولئك مصابيح الهدى ، و أعلام السّرى ليسوا بالمساييح ، و لا المذاييع البذر ، أولئك يفتح اللّه لهم أبواب رحمته ، و يكشف عنهم ضرّاء نقمته .

أيّها النّاس ، سيأتى عليكم زمان يكفا فيه الإسلام كما يكفا الإناء بما فيه أيّها النّاس ، إنّ اللّه قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، و لم يعذكم من أن يبتليكم ، و قد قال جلّ من قائل : ( إنّ فى ذلِكَ لَآيَاتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) . اقول : ذلك اشارة الى زمان بنى اميّة و ما بعدها . و اولئك اشارة : الى كلّ مؤمن .

و روى نومة بسكون الواو و هو : الضعيف ، و استعار لهم لفظ المساييح و الاعلام : لهدى الخلق بهم فى سبيل اللّه . و كفأت الاناء : كببته لوجهه ، و استعار وصف الكفاء للاسلام بأعتبار خروجه عن الانتفاع به ، كما يقلب ما فى الاناء من ماء و غيره ، و ذلك وجه الشبه و اعاذه اللّه تعالى عباده من الظلم فى قوله : ( و ما ربّك بظلام للعبيد ) 1 .