102 و من خطبة له عليه السّلام

حتّى بعث اللّه محمّدا ، صلّى اللّه عليه و آله ، شهيدا ، و بشيرا ، و نذيرا ، خير البريّة طفلا ، و أنجبها كهلا ، أطهر المطهّرين شيمة ، و أمطر المستمطرين ديمة ، فما احلولت لكم الدّنيا فى لذّتها ، و لا تمكّنتم من رضاع أخلافها إلاّ من بعد ما صادفتموها جائلا خطامها ،

قلقا وضينها ، قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السّدر المخضود ، و حلالها بعيدا غير موجود ،

و صادفتموها ، و اللّه ، ظلاّ ممدودا إلى أجل معدود ، فالأرض لكم شاغرة و أيديكم فيها

[ 249 ]

مبسوطة . و أيدى القادة عنكم مكفوفة ، و سيوفكم عليهم مسلّطة و سيوفهم عنكم مقبوضة ،

ألا إنّ لكلّ دم ثائرا ، و لكلّ حقّ طالبا ، و إنّ الثّائر فى دمائنا كالحاكم فى حقّ نفسه ، و هو اللّه الّذى لا يعجزه من طلب و لا يفوته من هرب . فأقسم باللّه يا بنى اميّة عمّا قليل لتعرفنّها فى أيدى غيركم و فى دار عدوّكم . ألا و إنّ أبصر الابصار ما نفذ فى الخير طرفه ،

ألا إنّ أسمع الاسماع ما وعى التّذكير و قبله .

أيّها النّاس ، استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ ، و امتاحوا من صفو عين قد روّقت من الكدر .

عباد اللّه ، لا تركنوا إلى جهالتكم ، و لا تنقادوا إلى أهوائكم ، فإنّ النّازل بهذا المنزل ،

نازل بشفا جرف هار ، ينقل الرّدى على ظهره من موضع إلى موضع ، لرأى يحدثه بعد رأى ،

يريد أن يلصق ما لا يلتصق ، و يقرّب ما لا يتقارب ، فاللّه اللّه ، أن تشكوا إلى من لا يشكى شجوكم و لا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم . إنّه ليس على الإمام إلاّ ما حمّل من أمر ربّه ،

إلاّ البلاغ فى الموعظة ، و الاجتهاد فى النّصيحة ، و الإحياء للسّنةّ ، و إقامة الحدود على مستحقّيها ، و إصدار السّهمان على أهلها : فبادروا العلم من قبل تصويح نبته ، و من قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستنار العلم من عند أهله و انهوا عن المنكر و تناهوا عنه ، فإنّما أمرتم بالنّهى بعد التّناهى . اقول : الفصل غاية لكلام سبق فيه ذكر العرب و ما كانت عليه من سوء الحال .

و النجابة : الكرم . و الشيمة : الخلق ، و استعار لفظ الديمة و هى المطر الّذى لا رعد له و لا برق : باعتبار غاية جوده صلّى اللّه عليه و آله ، و كان اذا امسى آوى الى البيت فلا يجد فيه شيئا من ذهب او فضّة الاّ تصدّق به و لم يبت بيته شى‏ء منه ، و شيمة و ديمة : تمييز و احلولى : حلا ، و الخطاب للعرب . و استعار لفظ الاخلاف جمع خلف و هو : حلمة ضرع الناقة لوجوه المطالب و المكاسب من الدنيا . و وصف الناقة : من جولان الخطام ، و قلق الوضين و هو : حزام القتب باعتبار عدم صلاح الدنيا لعدم الرسول صلى اللّه عليه و آله و من يجرى الامور على سنن الحق . و وجه الشبه بالسدر المخضود : استحلال الحرام . و استعار لها لفظ الظّل : باعتبار كون ما ينتفع به منها فى معرض الزوال . و لفظ الشاغرة : باعتبار

[ 250 ]

خلوّها عن مدبّر ، يقال : بقيت البلاد شاغرة برجلها اذا خلت عن مدبّرها . و قوله : و انّ الثائر ، الى قوله : و هو اللّه : يريد انّ دمائهم عليهم السلام و دماء غيرهم ممن عصم دمه يجرى مجرى الحق للّه فى انّه لا بدّ من طلبه ، و هو الحاكم المطلق فهو الثائر بها لنفسه كالحاكم بحقّ نفسه لها ، و ذلك فى معرض الوعيد . و الضمير فى قول لتعرفنّها : للدنيا او للامرة . و استعار لفظ المصباح : لنفسه ، و رشح بذكر الشعلة و وصف المتح : لاستفادة العلوم منه . و الماتح : جاذب الدلو من البئر ، و لفظ العين له . و وصف ترويقها عن الكدر :

براءة نفسه القدسيّة عن شوائب شبه الباطل ، و اشار بهذا المنزل الى مقام الركون الى الجهل و الانقياد للهوى .

و اصل هار ، هائر اى : منهدم و اراد انّ البانى لأموره على جهالته فى معرض ان لا يتمّ عمله لكونه على غير اصل . و الرّدى : الهلاك ، و اراد بنقله : من موضع الى آخر انّ المشير بالرأى عن جهل منه يشير على واحد بما يستلزم اذاه و هلاكه ، ثم ينقل ذلك الرأى المهلك الى غيره ، فيكون كناقل الهلاك من واحد الى آخر لرأى يحدثه بعد رأي . و قوله :

يريد ، الى قوله : يتقارب ، اى : يريد مثلا الصلح بين الناس كما كان يشير به بعض اصحابه ممن لا يرى الحرب بينه و بين معاوية مع مخالفة ذلك الصلح للحق ، و كون الرأى به يستلزم تفرّق الكلمة فلا يلتصق بالحق و لا يليق به ، و يقرب بذلك الرأى ما لا يتقارب من القلوب و الطباع ، و من لا يشكي شجوهم اى : حزنهم كالمنافقين فلا يشير بما ينبغى .

و استعار لفظ تصويح النبت و هو : تنبيه لموته عليه السلام . و نبّه على انّهم سيشغلون عن العلم ، و ما يستفاد منه اى : بالحوادث و الفتن بعده . و اكثر الفصل ظاهر ، و باللّه التوفيق .