103 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الّذى شرع الإسلام فسهّل شرائعه لمن ورده ، و أعزّ أركانه على من غالبه فجعله أمنا لمن علقه ، و سلما لمن دخله ، و برهانا لمن تكلّم به ، و شاهدا لمن خاصم به ،

و نورا لمن استضاء به ، و فهما لمن عقل ، و لبّا لمن تدبّر ، و آية لمن توسّم ، و تبصرة لمن

[ 251 ]

عزم ، و عبرة لمن اتّعظ ، و نجاة لمن صدّق ، و ثقة لمن توكّل ، و راحة لمن فوّض ، و جنّة لمن صبر ، فهو أبلج المناهج ، و أوضح الولائج ، مشرف المنار مشرق الجوادّ ، مضى‏ء المصابيح ، كريم المضمار ، رفيع الغاية ، جامع الحلبة ، متنافس السّبقة ، شريف الفرسان :

التّصديق منهاجه ، و الصّالحات مناره ، و الموت غايته ، و الدّنيا مضماره و القيامة حلبته ، و الجنّة سبقته . اقول : تسهيله لشرائع الاسلام جعلها واضحة للذكىّ و الغبى ، و اعزاز اركانه : حمايتها فمن قصد هدمها ، و استعار لفظ الأمن له : باعتبار سلامة داخله من عذاب اللّه . و لفظ السلم : باعتبار عدم اذاه . لمن دخله فهو كالمسالم له . و لفظ النور : باعتبار هدايته . و فهما اى : مفهوما او اطلق عليه لفظ الفهم مجازا اطلاقا لاسم المسبب على السبب ، اذ هو سبب فهم من فهم عنه و عقل مقاصده و كذلك لفظ اللّب و هو : العقل ، اذ كان تدبّره سببا لمراتب العقل . و الآية : العلامة . و التوسّم : التفّرس اى : من تفرّس الخير فى الاسلام كان علامة له عليه ، و من عزم على امر كان فى الاسلام تبصرة و هداية الى كيفية فعله ، و عبرة لمن اتّعظ اى : فيه معبر لذهن الخائف من اللّه اليه ، و فيه الثقة باللّه للمتوكّلين عليه لقوله تعالى : ( وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) 1 و القرآن اصل الدين و الاسلام ، و فيه الندب اى : تفويض الامور الى اللّه ، و علم ما لم يعلم منها ، و ترك التكليف بذلك و هو راحة و جنة لمن صبراى : على العمل الصالح . و مناهج الاسلام : طرقه من الكتاب و السنة .

و الأبلج : الواضح المشرق . و الولائج : البواطن . و الاسرار و هى واضحة لمن تدبّرها ، و جوادّه : طرقه . و استعار لفظ المنار و هى الاعلام و المصابيح : لأئمة الدين . و كنى باشرافها : عن علو قدرهم . و استعار لفظ المضمار : للدين باعتبار انّ النفوس تضمر فيه للسباق الى حضرة اللّه و ظاهر به كرم ذلك المضمار و شرفه ، و غايته الوصول الى حضرة الربوبية . و ارفع منها : مرتبة . و استعار لفظ الحلبة للقيامة . و السبقة للجنة و متنافس السبقة اى سبقته مما تنافس فيها و فرسانه المؤمنون و الصّديقون . و قوله : التصديق منهاجه ، الى آخره : تفسير للامور السابقة و اراد التصديق باللّه و بما جاء به الاسلام و اشتمل عليه . و باللّه التوفيق .

-----------
( 1 ) سورة الطلاق 3 .

[ 252 ]

منها فى ذكر النبى صلى اللّه عليه و آله و سلم :

حتّى أورى قبسا لقابس ، و أنار علما لحابس ، فهو امينك المأمون ، و شهيدك يوم الدّين ، و بعيثك نعمة ، و رسولك بالحقّ رحمة . اللّهمّ اقسم له مقسما من عدلك ، و اجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللّهمّ أعل على بناء البانين بناءه ، و أكرم لديك نزله ،

و شرّف عندك منزلته ، و آته الوسيلة و أعطه السّناء و الفضيلة ، و احشرنا فى زمرته غير خزايا ،

و لا نادمين ، و لا ناكبين ، و لا ناكثين ، و لا ضالّين ، و لا مضلّين ، و لا مفتونين .

اقول : الفصل غاية من كلام مدح فيه الرسول صلى اللّه عليه و آله بجهاده ، و اجتهاده فى اقامة الدين . و اورى : اشعل ، و استعار لفظ القبس و هو الشعلة : لأنوار الدين التى تقتبسها قلوب المؤمنين . و الحابس : الواقف بالمكان . و استعار لفظ العلم : لدليل الهدى .

و انارته له ايضاحه ادلّة الهدى للواقفين فى حيرة الضلال و الجهل . و يحتمل ان يريد بالعلم : ائمة الدين ، و انارته : تنوير قلوبهم باشراق نفسه القدسية بالعلوم ، و الكمالات على مرابا نفوسهم . و المقسم : النصيب و مقتضى عدله تعالى ان يقسم لاشراف النفوس اشرف الكمالات و اعلى المراتب من حضرته . و بنائه ما شيّده من قواعد الاسلام ، و اركانه و هو دعاء بظهوره على سائر الاديان . و الوسيلة : الاستعداد التامّ لكمال اعلى المراتب 1 و قيل : هى درجة عالية من درجات الجنة . و السناء : الرفعة . و الناكب : المنحرف عن الطريق .

و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلاّ اننا كررناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف .

و منها فى خطاب أصحابه :

و قد بلغتم من كرامة اللّه لكم منزلة تكرم بها إماؤكم ، و يوصل بها جيرانكم و يعظّمكم من لافضل لكم عليه ، و لا يد لكم عنده ، و يهابكم من لا يخاف لكم سطوة ، و لا لكم عليه إمرة ، و قد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تغضبون و انتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون ،

و كانت أمور اللّه عليكم ترد ، و عنكم تصدر ، و إليكم ترجع ، فمكّنتم الظّلمة من منزلتكم ،

-----------
( 1 ) هذه الكلمة غير موجودة في ش .

[ 253 ]

و ألقيتم إليهم أزمّتكم و أسلمتم أمور اللّه فى أيديهم ، يعملون فى الشّبهات ، و يسيرون فى الشّهوات و ايم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم .

اقول : كرامة اللّه لهم بالاسلام . و قوله : و كانت امور اللّه ، الى قوله نرجع ، اى : انّكم كنتم اهل الاسلام و الحلّ و العقد فيه لانّهم المهاجرون و الانصار ، و الظلمة و البغاة ، و امور اللّه التى اسلمت فى ايديهم احوال العباد و البلاد و تسليمهم ذلك بترك جهادهم . و قوله :

و ايم اللّه ، الى آخره : وعيد لهم بدولة بنى اميّة ، و يحتمل ان يكون وعدا لبقية اصحابه ، و ذرّيتهم بالظهور على بنى اميّة عند انتهاء دولتهم . و باللّه التوفيق .