106 و من خطبة له عليه السّلام

كلّ شى‏ء خاضع له ، و كلّ شى‏ء قائم به : غنى كلّ فقير ، و عزّ كلّ ذليل ، و قوّة كلّ ضعيف ، و مفزع كلّ ملهوف ، و من تكلّم سمع نطقه ، و من سكت علم سرّه ، و من عاش فعليه رزقه ، و من مات فإليه منقلبه ، لم ترك العيون فتخبر عنك ، بل كنت قبل الواصفين من خلقك ، لم تخلق الخلق لوحشة ، و لا استعملتهم لمنفعة ، و لا يسبقك من طلبت ،

و لا يفلتك من أخذت ، و لا ينقص سلطانك من عصاك ، و لا يزيد فى ملكك من أطاعك ،

و لا يردّ أمرك من سخط قضاءك ، و لا يستغنى عنك من تولّى عن أمرك ، كلّ سرّ عندك علانية ، و كلّ غيب عندك شهادة ، أنت الأبد لا أمد لك ، و أنت المنتهى لا محيص عنك ، و أنت الموعد لا منجى منك إلاّ إليك ، بيدك ناصية كلّ دابّة ، و إليك مصير كلّ نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، و ما أصغر عظمه فى جنب قدرتك ، و ما أهول ما نرى من ملكوتك ، و ما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك ، و ما أسبغ نعمك فى الدّنيا ، و ما أصغرها فى نعيم الآخرة . أقول : خشوع الاشياء له دخولها فيما يتوهّم من ذلّة الحاجة اليه ، و قيامها به فى الوجود قيام المعلول بعلته . و الملهوف : المظلوم يستغيث . و سمعه تعالى : يعود الى علمه بالمسموعات . و قوله : فيخبر عنك اى : ارباب العيون اى : لم ترك ارباب العيون بعيونها ، فحذف المضاف و قد مرّ تنزيهه تعالى عن الوحشة و المنفعة . و قوله : انت الأبد لا امد لك ، اى : الدائم فلا غاية لك . و قيل : ذو الابد اى : ذو الدوام . و المحيص :

المعدّل ، و باقى الفصل ظاهر .

[ 259 ]

منها :

من ملائكة أسكنتهم سمواتك ، و رفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ، و أخوفهم لك ، و أقربهم منك ، لم يسكنوا الأصلاب ، و لم يضمّنوا الأرحام ، و لم يخلقوا من ماء مهين ، و لم يشعبهم ريب المنون ، و إنّهم على مكانهم منك ، و منزلتهم عندك ، و استجماع أهوائهم فيك ، و كثرة طاعتهم لك ، و قلّة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك لحقروا أعمالهم ، و لزروا على أنفسهم ، و لعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ،

و لم يطيعوك حقّ طاعتك .

سبحانك خالقا و معبودا : بحسن بلائك عند خلقك ، خلقت دارا ، و جعلت فيها مأدبة : مشربا ، و مطعما ، و أزواجا ، و خدما ، و قصورا ، و أنهارا ، و زروعا ، و ثمارا ، ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الدّاعى أجابوا ، و لا فيما رغّبت إليه رغبوا ، و لا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، و اصطلحوا على حبّها ، و من عشق شيئا أعشى بصره ، و أمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، و يسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشّهوات عقله ، و أماتت الدّنيا قلبه ، و ولهت عليها نفسه فهو عبد لها ، و لمن فى يده شى‏ء منها : حيثما زالت زال إليها ، و حيثما أقبلت أقبل عليها ، و لا يزدجر من اللّه بزاجر ، و لا يتّعظ منه بواعظ ، و هو يرى المأخوذين على الغرّة حيث لا إقالة و لا رجعة كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون ، و قدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، و تغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم و بين منطقه ، و إنّه لبين أهله ينظر ببصره ، و يسمع باذنه على صحّة من عقله ، و بقاء من لبّه يفكّر فيم أفنى عمره ، و فيم أذهب دهره ، و يتذكّر أموالا جمعها : أغمض فى مطالبها ،

و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، و أشرف على فراقها : تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، و يتمتّعون بها ، فيكون المهنا لغيره ، و العب‏ء على ظهره . و المرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعضّ يده ، ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، و يزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، و يتمنّى أنّ الّذى كان يغبطه بها و يحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ فى جسده حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق

[ 260 ]

بلسانه ، و لا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر فى وجوههم يرى حركات ألسنتهم . و لا يسمع رجع كلامهم . ثمّ ازداد الموت التياطا به فقبض بصره كما قبض سمعه ، و خرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله : قد أوحشوا من جانبه ، و تباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ،

و لا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى محطّ فى الأرض ، و أسلموه فيه إلى عمله ، و انقطعوا عن زورته .

حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ، و الأمر مقاديره ، و ألحق آخر الخلق بأوّله ، و جاء من أمر اللّه ما يريده : من تجديد خلقه ، أماد السّماء و فطرها ، و أرجّ الأرض و أرجفها ، و قلع جبالها و نسفها ، و دكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته ، و مخوف سطوته ، و أخرج من فيها فجدّدهم على أخلاقهم ، و جمعهم بعد تفرّقهم ، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال ،

و خبايا الأفعال ، و جعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، و انتقم من هؤلاء : فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره و خلّدهم فى داره ، حيث لا يظعن النزّال ، و لا يتغيّر لهم الحال ، و لا تنوبهم الأفزاع ، و لا تنالهم الأسقام ، و لا تعرض لهم الأخطار ، و لا تشخصهم الأسفار ، و أمّا أهل المعصية ، فأنزلهم شرّ دار ، و غلّ الأيدى إلى الأعناق و قرن النّواصى بالأقدام ، و ألبسهم سرابيل القطران ، و مقطّعات النّيران فى عذاب قد اشتدّ حرّه ، و باب قد أطبق على أهله فى نار لها كلب و لجب و لهب ساطع ، و قصيف هائل ، لا يظعن مقيمها ، و لا يفادى أسيرها ،

و لا تفصم كبولها ، لا مدّة للدّار فتفنى ، و لا أجل للقوم فيقضى . اقول : انّما كانت الملائكة أعلم خلق اللّه به ، لبراءة علومهم من منازعة النفس الامارة ، و لقربهم من ابداع قدرته و كونهم اخوف لكونهم اعلم به . و ريب المنون : حادث الموت . و قوله : و انّهم ، الى قوله : طاعتك : اشارة الى تنزيهه تعالى عن اطّلاع الملائكة على كنه معرفته ، لانّ ذلك غير ممكن لأحد سواه كما مرّ بيانه . و الباء فى قوله بحسن بلائك قيل : انّها يتعلق بسبحانك اى : انزّهك بهذا الاعتبار . و خالقا و معبودا : حالان و يحتمل ان يتعلق بمعبود ، و يحتمل ان يتعلق بخلقت . و استعار لفظ الدار للاسلام : باعتبار جمعه لأهله . و لفظ المأدبة و هى الطعام : يدعى اليه للجنة بأعتبار جمعها للمشتهيات .

و الداعى هو : الرسول صلى اللّه عليه و آله . و قد جمعها الخبر : انّ اللّه جعل الاسلام دارا

[ 261 ]

و الجنة مأدبة و الداعى اليها محمدا . و استعار لفظ الجيفة : للدنيا لاستقذار نفوس الاولياء لها . و وصف الافتضاح بأكلها : للاستهتار بافتنائها و الخروج به عن شعار الصالحين و طاعة اللّه . و وصف العشاء لما يعرض لأبصار بصائر اهلها من اغطية الجهل فيفسد نظرها فلا يبصر ما ينتفع به و لا تسمع ما يتعظ به . و وصف التخريق لتفريق افكاره فى تحصيل المشبّهات . و وصف الاماتّه : لاخراج قلبه عن الانتفاع به فى امر الآخرة فهو كالميت عنها . و ولهت عليها نفسه اى : حيرته محبة لها . و قوله : فغير موصوف ما نزل بهم اى :

لشدّته . و اغمض فى مطالبها تساهل فى وجوه اخذها ، و لم يضبط دينه فيها . و مصرّحاتها : ما وضح منها . و المهنأ : المصدر من هنأ يهنأ . و العبأ : الثقل . و استعار وصف غلق الرهون : ملاحظة لعدم انفكاك نفسه من تبعاتها المشبه لغلق الرهن بما عليه من مال . و اصحر ظهر و انكشف . و رجع القول جوابه و ترديده . و الالتياط : الالتصاق .

و المخط : كناية عن اللحد لانّه يخط ثم يحفر ، و روى بالحاء المهملة . و محط القوم :

منزلهم . و بلوغ الكتاب أجله : انقضاء المدّة المضروبة لبقاء الخلق فى الدنيا أو فى البرزخ . و المقطّعات : ثياب من نار . و الكلب : الشدّة . و اللجب : غلبة الاصوات .

و القصيف الصوت الشديد . و الكبول : جمع كبل ، و هو : القيد الضخم . و صفة القيامة و احوالها و غايتها فى غاية الوضوح ، و باللّه التوفيق .