107 و من خطبة له عليه السّلام

إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه ، سبحانه ، الإيمان به و برسوله و الجهاد فى سبيله فانّه ذروة الإسلام ، و كلمة الإخلاص فإنّها الفطرة ، و إقام الصّلاة فإنّها الملّة ،

و إيتاء الزّكاة فإنّها فريضة واجبة ، و صوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب ، و حجّ البيت و اعتماره فإنّهما ينفيان الفقر و يرحضان الذّنب ، و صلة الرّحم فإنّها مثراة فى المال ، و منسأة فى الأجل و صدقة السّرّ فإنّها تكفّر الخطيئة ، و صدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة السّوء ، و صنائع المعروف فإنّها تقى مصارع الهوان .

أفيضوا فى ذكر اللّه فإنّه أحسن الذّكر ، و ارغبوا فيما وعد المتّقين فإنّه أصدق الوعد ،

و اقتدوا بهدى نبيّكم فإنّه أفضل الهدى ، و استنّوا بسنّته فإنّه أهدى السّنن ، و تعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث ، و تفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب ، و استشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور ، و أحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص ، فإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الّذى لا يستفيق من جهله ، بل الحجّة عليه أعظم ، و الحسرة له ألزم ، و هو عند اللّه ألوم . أقول : اراد : انّ افضل الوسائل الى اللّه ، الايمان الكامل ، فالايمان باللّه و رسوله هو اصله ، و باقى الفرائض و السنن كمالات له ، و رغّب فى كل منهما بضمير صغراه ، قوله :

فانّه كذا ، و تقدير الكبرى فى الكلّ ، و كل ما كان كذلك فينبغى ان يفعل . و استعار لفظ الذروة : للجهّال لانّه اصل لقيام الدين فى الوجود ، فكان اشرف و اعلى من غيره من سائر العبادات . و الفطرة : فطرة اللّه التى فطر الناس عليها من التعبّد له ، و الاقرار بربوبيته .

و جعل الصلاة هى الملّة : مجازا تشريفا لانها اكثر اشتمالا على مقصود الملة فى جميع اجزائها ، و هو : الالتفات الى اللّه تعالى و دوام ملاحظة عظمته .

[ 263 ]

قال الراوندى رحمه اللّه : 1 اراد بكون الزكاة فريضة : كونها سهما مقتطعا من المال وجوبا ، و الاّ لما كان لتخصيصها بالفريضة من بين سائر الفرائض معنى . و خصّص صوم رمضان باستعارة لفظ الجنّة : لانّه اشد فى كسر النفس الامارة و قطع وسائل الشيطان التى هى الشهوات ، و لذلك قال النّبى صلى اللّه عليه و آله : ( انّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع ) . فكان الصوم على الخصوص اشدّ قمعا للشيطان من سائر العبادات فكان اقوى جنّة فى دفع ما يلزم بسببه من العقاب .

و رغّب فى الحجّ ، و العمرة ، بفضيلتين : دنيوية و هى : كونهما ينفيان الفقر ، و كان ذلك بسبب التجارة الحاصلة فى موسم الحجّ ، و قيام الاسواق بمكة حينئذ . و اخرويّة و هى : كونهما يرحضان الذنب اى : يغسلانه . و كون صلة الرحم مثراة للمال يفهم له شيئان : احدهما : انّ العناية الالهية قسّمت لكل حيّ قسطا من الرزق مدّ حياته فاذا اعدّت شخصا من الناس للقيام بأمر جماعة و كفّلته بامدادهم ، وجب فى العناية افاضته ارزاقهم بحسب استعداده لذلك و هو معنى كونه مثراة للمال . الثانى ، انّ صلة الرحم من الاخلاق الحميدة التى تستمال بها طباع الخلق و تستجلب عاطفتهم فيكون سببا لامداده و معونته من ذوى الامداد ، و المعونات : كالملوك و غيرهم فكان مثراة . و امّا كونها منسأة فى الأجل فلانّها توجب تعاطف ذوى الارحام ، و معاضدتهم لواصلهم ، فيكون عن اذى الاعداء ابعد و ذلك مظنّة طول عمره و تأخيره ، و لانّها توجب تعلّق همّهم ببقاءه و اصلهم و امداده بالدعاء الّذى قد يكون شرطا فى بقائه ، فكانت صلتهم منساة . و المنسأة : محل النسا و هو : التأخير .

و كون صدقة السرّ تكفّر الخطيئة : لانّها ابعد عن الرياء ، و اقرب الى رضى اللّه .

و تكفيرها : سترها . و كون صدقة العلانية تدفع ميتة السوء لاستلزامها الشهرة بفعل الخيرات ، و الذكر الجميل ، و محبّة المتصدّق ، و ذلك يمنع غالبا من ميتات السوء كالقتل ، و الحريق ، و كل ما يكون بقصد الغير و فعله ، لكان محبته و اشتهاره بفعل الجميل . و الافاضة فى ذكر اللّه : الاندفاع و كونه أحسن الحديث لقوله تعالى : ( اللَّهُ نَزَّلَ اَحْسَنَ الْحَدِيْثِ ) 2 الآية . و استعار لفظ الربيع : لما فيه من فنون العلم الّذى هو مسارح أبصار

-----------
( 1 ) منهاج البراعة 1 473

-----------
( 2 ) سورة الزمر 23 .

[ 264 ]

البصائر لرياض الربيع . و شفاء للصدور : من امراض الجهل . و الحجّة على العالم اعظم :

لانّ العالمين ليس لهم ان يقولوا يوم القيامة ( اِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) 1 . و الحسرة له الزم :

لعلمه بما يفوته من الكمال بسبب التفريط ، بخلاف الجاهل لجهله بما يفوته من ذلك ،

و هو عند اللّه ألوم : باعتبار انقطاع عذره يومئذ ، و قوّته : جرأته على المخالفة عن علم 2 .