108 و من خطبة له عليه السّلام

أمّا بعد ، فإنّى أحذّركم الدّنيا فإنّها حلوة خضرة ، حفّت بالشّهوات ، و تحبّبت بالعاجلة ، و راقت بالقليل ، و تحلّت بالآمال ، و تزيّنت بالغرور ، لاتدوم حبرتها ، و لا تؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكّالة غوّالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها ، و الرّضاء بها ، أن تكون كما قال اللّه سبحانه و تعالى : ( كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ، وَ كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ‏ءٍ مُقْتَدِرًا ) 3 لم يكن امرؤ منها فى حبرة إلاّ أعقبتها عبرة ، و لم يلق فى سرّائها بطنا ، إلاّ منحته من ضرّائها ظهرا ، و لم تطلّه فيها ديمة رخاء ، إلاّ هتنت عليه مزنة بلاء ، و حرىّ ، إذا أصبحت له منتصرة ، أن تمسى له متنكّرة و إن جانب منها اعذوذب ، و احلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا ، إلاّ أرهقته من نوائبها تعبا ، و لا يمسى منها فى جناح أمن إلاّ أصبح على قوادم خوف ، غرّارة غرور ما فيها فانية ، فان من عليها لا خير فى شى‏ء من أزوادها إلاّ التّقوى ، من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ، و زال عمّا قليل عنه ، كم من واثق بها فجعته ، و ذى طمأنينة قد صرعته ، و ذى أبّهة قد جعلته حقيرا ، و ذى نخوة قدردّته ذليلا ؟ سلطانها دول ، و عيشها رنق ، و عذبها أجاج ، و حلوها صبر ، و غذاؤها سمام ، و أسبابها رمام ، حيّها بعرض موت ،

و صحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، و عزيزها مغلوب ، و موفورها منكوب و جارها محروب ، ألستم فى مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، و أبقى آثارا ، و أبعد آمالا ،

-----------
( 1 ) سورة الاعراف 172 .

-----------
( 2 ) كلمة : يومئذ الى اخرها لم تكن في ش

-----------
( 3 ) سورة الكهف 45 .

[ 265 ]

و أعدّ عديدا ، و أكثف جنودا : تعبّدوا للدّنيا أىّ تعبّد و آثروها أىّ إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ ، و لا ظهر قاطع ؟ ؟ فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة ؟ بل أرهقتهم بالفوادح ، و أوهنتهم بالقوارع و ضعضعتهم بالنّوائب ، و عفّرتهم للمتاخر ، و وطئتهم بالمناسم ، و أعانت عليهم ريب المنون ، فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها ، و آثرها ، و أخلد لها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد ، و هل زوّدتهم إلاّ السّغب ، أو أحلّتهم إلاّ الضّنك أو نوّرت لهم إلاّ الظّلمة ، أو أعقبتهم إلاّ النّدامة ؟ أ فهده تؤثرون ، أم إليها تطمئنون ، أم عليها تحرصون ؟ ؟ فبئست الدّار لمن لم يتّهمها و لم يكن فيها على وجل منها ، فاعلموا و أنتم تعلمون بأنّكم تاركوها ، و ظاعنون عنها و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا : ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، و أنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ، و جعل لهم من الصّفيح أجنان و من التّراب أكفان ، و من الرّفات جيران ،

فهم جيرة لا يجيبون داعيا و لا يمنعون ضيما ، و لا يبالون مندبة : إن جيدوا لم يفرحوا و إن قحطوا لم يقنطوا : جميع و هم آحاد و جيرة و هم أبعاد متدانون لا يتزاورون و قريبون لا يتقاربون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، و جهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم و لا يرجى دفعهم ، استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، و بالسّعة ضيقا و بالأهل غربة ، و بالنّور ظلمة ، فجاءوها كما فارقوها حفاة عراة ، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة ،

و الدّار الباقية كما قال سبحانه : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْدًا عَلَيْنَا ، إنَّا كُنَّا فَاعِلينَ ) 1 . أقول : مدار 2 الفصل على ذمّ الدنيا ، و التنفير عنها ، بذكر معايبها ، و ما يلزمها من غاية الموت . و استعار لها لفظ الحلوة الخضرة : باعتبار زينتها ، و بهجتها ، و خصّ متعلقى الذوق و البصر اعنى : الخضرة و الحلوة : لاكثريّة تأدية الحاستين المذكورتين ، الى النفس الالتذاذ بواسطتهما دون سائر الحواسّ .

و راقت : أعجبت . و القليل : متاعها فى متاع الآخرة ، و وجه زينتها بالغرور : انّ ما يعدّ فيها زينة و خيرا من متاعها انّما هو بسبب الغفلة عن عاقبة ذلك و ثمرته فى الآخرة .

و حبرتها : سرورها . و الحائلة : الزائلة . و بائدة : هالكة . و الغوّالة : التى تأخذ على غرّة .

-----------
( 1 ) الانبياء 104 .

-----------
( 2 ) فى ش : هذا الفصل .

[ 266 ]

و قوله : لا تعدوا ، الى قوله مقتدرا ، اى : غاية ما يحصل للراغبين منها ، و ما بلغته امانيّهم ان يفنى و هو وجه التمثيل . و كنّى بالبطن و الظهر : عن اقبالها ، و ادبارها عن المرء . و طلّته اى : بلته ، و استعار لفظ الديمة : للرخاء ، و لفظ المزنة : للبلاء . و هتنت : سالت و اراد :

انّ كل خير ناله المرء فيها فانّه غالب الأحوال يستعقب شرّا اكثر منه . و نبّه على ذلك بالطلّ ، و الهتن . و المتنكرة : المتغيّرة . و اعذوذب و احلولى : مبالغة فى العذوبة و الحلاوة .

و اوبى : امرض . و الغضارة : طيّب العيش . و ارهقه تعبا : كلّفه ايّاه . و نبّه باستعارة لفظ الجناح : للأمن . و لفظ القوادم : للخوف و اراد : انّه ما من آمن فيها الاّ و يستعقب خوفا اقوى منه و ما يؤمنه : هو الاعمال الصالحة . و ما يوبقه اى : يهلكه ففنياتها المهلكة بمحبّتها فى الآخرة . و الابهّة : العظمة ، و النخوة : الكبر . و رنق : كدر . و استعار لفظ الاجاج و الصبر و السمام لعذبها ، و حلوها ، و عذابها ، باعتبار ما يلزمها فى الآخرة من مرارة العقاب و سوء المذاق . و أسبابها : ما يتعلّق به المرء منها . و الرمام : البالية لانّها فى عدم بقائها كالبالية . و الموفور : ذو الوفور من المال . و المحروب : المسلوب ماله . و الظهر : المركوب .

و ارهقتهم : غشيتهم . و الفادح : الامر الشديد . و القارعة : الداهية . و ضعضعتهم : اذلّتهم .

و التعفير : الصاق الوجه بالعفر و هو التراب . و المنسم : خف البعير . و ريب المنون :

صروفها . و دان : اطاع . و اخلد الى كذا : لصق به و لزمه . و السغب : الجوع .

و قوله : او نّورت لهم الاّ الظلمة اى : ما نوّرت لهم ، و لكن اوجبت لهم الظلمة و ذلك ما يكتسبه طالبوها من الجهل و ملكات السوء و من لم يتهمها هو المعتقد انّها مطلوبة لذاتها ، و ذلك من الهالكين لغفلته عن حقيقتها . و بئست الدار له ، و نعم الدار لمن اتّهمها فعمل فيها على وجل منها و علم بعاقبتها . و المندبة : النوح . و جيدوا : مطروا . و القنوط :

اليأس . و قوله : فجاؤها ، الى آخره ، اى : فكان مجيئهم اليها بالعود فيها كما فارقوها ،

و انفصلوا عنها بالخلق منها ، و هو اشارة الى قوله تعالى : ( منها خلقناكم و فيها نعيدكم ) 1 .

-----------
( 1 ) سورة طه 55 .

[ 267 ]