111 و من خطبة له عليه السّلام

الحمد للّه الواصل الحمد بالنّعم ، و النّعم بالشّكر . نحمده على آلائه ، كما نحمده على بلائه ، و نستعينه على هذه النّفوس البطاء عمّا أمرت به ، السّراع إلى ما نهيت عنه ، و نستغفره ممّا أحاط به علمه و أحصاه كتابه : علم غير قاصر و كتاب غير مغادر . و نؤمن به إيمان من عاين الغيوب ، و وقف على الموعود : إيمانا نفى إخلاصه الشّرك ، و يقينه الشّكّ . و نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، و أنّ محمّدا عبده و رسوله ، صلّى اللّه

-----------
( 1 ) في نسخة ش بزيادة : عليه .

[ 269 ]

عليه و آله و سلّم . شهادتين تصعدان القول ، و ترفعان العمل : لا يخفّ ميزان توضعان فيه ،

و لا يثقل ميزان ترفعان عنه .

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّتى هى الزّاد ، و بها المعاد ، زاد مبلّغ ، و معاد منجح ، دعا إليها أسمع داع ، و وعاها خير واع ، فأسمع داعيها ، و فاز واعيها . عباد اللّه ، إنّ تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه ، و ألزمت قلوبهم مخافته حتّى أسهرت لياليهم ، و أظمأت هواجرهم ،

فأخذوا الرّاحة بالنّصب و الرّىّ بالظّمأ ، و استقربوا الأجل ، فبادروا العمل ، و كذّبوا الأمل ،

فلا حظوا الأجل . ثمّ إنّ الدّنيا دار فناء و عناء ، و غير و عبر : فمن الفناء أنّ الدّهر موتّر قوسه ، لا تخطى‏ء سهامه ، و لا تؤسى جراحه ، يرمى الحىّ بالموت و الصّحيح بالسّقم ،

و النّاجى بالعطب ، آكل لا يشبع ، و شارب لا ينقع و من العناء أنّ المرء يجمع مالا يأكل ،

و يبنى مالا يسكن ، ثمّ يخرج إلى اللّه لا مالا حمل ، و لا بناء نقل ، و من غيرها أنّك ترى المرحوم مغبوطا ، و المغبوط مرحوما ، ليس ذلك إلاّ نعيما زلّ ، و بؤسا نزل ، و من عبرها أنّ المرء يشرف على أمله ، فيقطعه حضور أجله ، فلا أمل يدرك ، و لا مؤمّل يترك فسبحان اللّه ما أغرّ سرورها ، و أظمأريّها ، و أضحى فيئها ، لا جاء يردّ ، و لا ماض يرتدّ فسبحان اللّه ما أقرب الحىّ من الميّت للحاقه به ، و أبعد الميّت من الحىّ لانقطاعه عنه .

إنّه ليس شى‏ء بشرّ من الشّرّ إلاّ عقابه ، و ليس شى‏ء بخير من الخير إلاّ ثوابه و كلّ شى‏ء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، و كلّ شى‏ء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه ،

فليكفكم من العيان السّماع ، و من الغيب الخبر ، و اعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا و زاد فى الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة و زاد فى الدّنيا ، فكم من منقوص رابح و مزيد خاسر . إنّ الّذى أمرتم به أوسع من الّذى نهيتم عنه ، و ما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم ، فذروا ما قلّ لما كثر . و ما ضاق لما اتّسع ، قد تكفّل لكم بالرّزق ، و أمرتم بالعمل ، فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله ، مع أنّه ، و اللّه ، لقد اعترض الشّكّ و دخل اليقين ، حتّى كأنّ الّذى ضمن لكم قد فرض عليكم ، و كأنّ الّذى فرض عليكم قد وضع عنكم فبادروا العمل ، و خافوا بغتة الأجل ، فانّه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق ، ما فات من الرّزق رجى غدا زيادته ، و ما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته . الرّجاء مع الجائى ، و اليأس مع الماضى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاَّ

[ 270 ]

وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) . اقول : وصله تعالى الحمد بالنعم : افاضتها على الشاكرين ، بحسب استعدادهم لحمده و مقتضى وعده الكريم ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) 1 و وصله النعم بالشكر : افاضة صور الشكر على قلوب المنعم عليهم ، و اعترافهم بالنعمة و تلك الافاضة نعمة اخرى من فضله و يحتمل ان يريد : انّه تعالى يصل نعمته على حامديه بشكره لهم ( فأنَّ اللّه شاكر عليم ) 2 .

و جعل الحمد على البلاء اصلا فى التشبيه : لانّ الابتلاء نعمة عظيمة و فى حق أولياء اللّه اقوى من النعم المشهورة ، تنبيها و جذبا الى اللّه و كنىّ به : اللوح المحفوظ الّذى لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الاّ احصاها . و من عاين الغيوب اى : شاهد بعين يقينه الامور الغائبة ، و كوشف بالموعود من احوال الآخرة ، و تصعّدان القول الى محل القبول من حضرة العزّة لانّهما اصلان فى الإيمان . و اسمع داع : هو الرسول صلى اللّه عليه و آله اى :

اشدّهم اسماعا للخلق و تبليغا . و خير واع هو عليه السلام ، و من سارع الى اجابة الداعى .

و نسبة السهر الى الليالى و الظماء الى الهواجر : مجاز به اقامة الظرف مقام المظروف المفعول به مبالغة كقولهم : نهاره صائم ، و ليله قائم . و قوله : فأخذوا الى قوله : الظمأ ،

اى : استعدّوا بتعبهم فى الدنيا ، و ظمائهم فيها لراحة الآخرة ، والدين من رحيقها المختوم ،

و روى : فلاحظوا بالفاء و الاشبه الواو لترتب تكذيب الأمل على ملاحظة الأجل ، دون العكس و الواو لا يفيد الترتّب ، و يحتمل الفاء لافادة الملازمة بين تكذيب الأمل و ملاحظة الأجل ، و ترتّب تصوّر كل منهما على تصور السابق منهما فى الذهن . و لا توسى اى :

لا يمكن طبها و دوائها . و لا ينقع : لا يروى . و قوله : و من غيرها ، الى قوله : تدلّ ، اى : انّك ترى المرحوم بها و هو الفقير العاجز قد استبدل بفقره غنى ، و بذلّه عزّا ، فصار مغبوطا بعد ان كان مرحوما ، و تارة يرى العكس من ذلك و ليس ذلك الا نعيما زال عن المغبوط ، و بؤسا بدل به : و هو معنى تغيّرها . و استعار لفظ الرّى : لكمال الالتذاذ بها ، و لفظ الفى‏ء :

-----------
( 1 ) سورة ابراهيم 7

-----------
( 2 ) سورة البقرة 158 .

[ 271 ]

للانتفاع بفيئاتها ، و اذ ذلك اقوى صارف يستغفل العبد عن اللّه ، فسرورها اقوى ما يغر صاحبه . و ريّها اعظم ما يظمأ به صاحبه من شراب الأبرار فى دار القرار ، و فيها اشدّ ضحى للمستظلّ بها . و الضحى : البروز لحر الشمس .

و قوله : ليس شى‏ء الى قوله : ثوابه ، يريد الخير و الشر ، المتصوّرين بالقياس الى شرور الدنيا و خيراتها ، فانّها امور مستحقرة فى جنب عقاب اللّه و ثوابه ، و يحتمل ان يريد الشر و الخير المطلقين للمبالغة ، اذ يقال : هذا اشدّ من الشديد . و قوله : فليكفكم اى : من عيان الامور الاخرويّة سماعها ، و من غيبها الخير عنها اذ لا يمكن الاطّلاع عليها فى هذا العالم ، و ما نقص من الدنيا : كالزكاة ، و العبادة البدنية الآخذين من المال و البدن ، فانّه مستلزم لزيادة الدرجة فى الآخرة لمن قصدها به ، و ما يقابل ذلك من الزيادة فى الدنيا مستلزم للغفلة عن الآخرة ، و نقصان الحال فيها ، و ما امرنا به و احلّ لنا اوسع من الّذى نهينا عنه و حرّم علينا ، لانّ الحلال اقسام اربعة : و هى : الواجب ، و المندوب ، و المباح ،

و المكروه ، و الحرام قسم واحد فقط ، و اعترض الشك فيما اقول من ضمان الرزق و فرض العبادة . و قوله : الرجاء مع الجائى ، اى : مع الرزق . و اليأس مع الماضى اى : من العمر .