112 و من خطبة له عليه السّلام فى الاستسقاء

اللّهمّ قد انصاحت جبالنا ، و اغبرّت أرضنا ، و هامت دوابّنا ، و تحيّرت فى مرابضها ،

و عجّت عجيج الثكالى على أولادها ، و ملّت التّردّد فى مراتعها ، و الحنين إلى مواردها .

اللّهمّ فارحم أنين الآنّة ، و حنين الحانّة . اللّهمّ فارحم حيرتها فى مذاهبها و أنينها فى موالجها ، اللّهمّ خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السّنين ، و أخلفتنا مخايل الجود ،

فكنت الرّجاء للمبتئس و البلاغ للملتمس : ندعوك حين قنط الأنام ، و منع الغمام ، و هلك السّوام أن لا تؤاخذنا بأعمالنا ، و لا تأخذنا بذنوبنا ، و انشر علينا رحمتك بالسّحاب المنبعق ، و الرّبيع المغدق ، و النّبات المونق ، سحّا وابلا ، تحيى به ما قد مات و تردّ به ما قد فات . اللّهمّ سقيامنك ، محيية ، مروية ، تامّة ، عامّة ، طيّبة ، مباركة ، هنيئة ، مريعة ، زاكيا

[ 272 ]

نبتها ، ثامرا فرعها ، ناضرا ورقها ، تنعش بها الضّعيف من عبادك ، و تحيى بها الميت من بلادك . اللّهمّ سقيا منك تعشب بها نجادنا ، و تجرى بها و هادنا ، و تخصب بها جنابنا ،

و تقبل بها ثمارنا ، و تعيش بها مواشينا ، و تندى بها أقاصينا ، و تستعين بها ضواحينا ، من بركاتك الواسعة ، و عطاياك الجزيلة على بريّتك المرملة و وحشك المهملة ، و أنزل علينا سماء مخضلة ، مدرارا هاطلة ، يدافع الودق منها الودق ، و يحفز القطر منها القطر ، غير خلّب برقها ، و لا جهام عارضها و لا قزع ربابها ، و لا شفّان ذهابها ، حتّى يخصب لإمراعها المجدبون ، و يحيا ببركتها المسنتون ، فإنّك تنزل الغيث بعد ما قنطوا ، و تنشر رحمتك و أنت الولىّ الحميد . قال السيد رحمه اللّه قوله عليه السلام « انصاحت جبالنا » أي تشققت من المحول . يقال : انصاح الثوب ، اذا انشق . و يقال ايضا : انصاح النبت و صاح وصوّح اذا جفّ و يبس ، و قوله « و هامت دوابنا » اي : عطشت ، و الهيام : العطش ، و قوله « حدابير السنين » جمع حدبار : و هي الناقة التي أنضاها السير فشبه السنة التي فشا فيها الجدب ،

قال ذو الرمه :

حدابير ما تنفكّ إلاّ مناخة
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا

و قوله « و لا قزع ربابها » : القزع : القطع الصغار المتفرقه من السحاب ، و قوله « و لا شفان ذهابها » فانّ تقديره : و لا ذات شفان ذهابها ، و الشفان : الريح البارده ،

و الذهاب : الأمطار اللينه ، فحذف « ذات » لعلم السامع به .

أقول : اعتكرت : اختلطت . و المخايل : جمع مخيلة : للسحابة التى ترجى المطر منها . و المبتئس : الحزين . و المنبعق و المنبعج : السحاب المنّصب بشدّة . و المغدق : كثير الماء ، و يحتمل ان يريد بالربيع هنا : المطر . و السقيا : بالضم ، الاسم من السقى .

و الخلّب : السحاب الّذى يكذّب الظّن . و المربع : المخصب . و النجاد : جمع نجد ،

للمرتفع من الارض . و الضواحى البارزة اى : اهل نواحينا . و المرمّلة : القليلة المطر .

و المخضلة : الرطبة . و الودق : القطر . و الجهام : المظلم الذى لاماء فيه . و المسنتون الّذين اصابتهم شدة السنة . و سحّا : مصدر او حال . و السماء المخضلة : المطر نفسه . و الفصل واضح .

[ 273 ]