118 و من خطبة له عليه السّلام

و قد قام إليه رجل من اصحابه فقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها ، فلم ندر أى الأمرين أرشد ؟ فصفق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى ثم قال :

هذا جزاء من ترك العقدة أما و اللّه لو أنّى حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الّذى يجعل اللّه فيه خيرا : فإن استقمتم هديتكم ، و إن اعوججتم قوّمتكم ، و إن أبيتم تداركتكم ، لكانت الوثقى ، و لكن بمن ؟ و إلى من ؟ أريد أن أداوى بكم و أنتم دائى ، كناقش الشّوكة بالشّوكة ، و هو يعلم أنّ ضلعها معها .

اللّهمّ قد ملّت أطبّاء هذا الدّاء الدّوىّ ، و كلّت النّزعة بأشطان الرّكىّ أين القوم الّذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه ؟ و قراؤا القرآن فأحكموه ، و هيّجوا إلى القتال فولهوا و له اللّقاح إلى أولادها ، و سلبوا السّيوف أغمادها و أخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا و صفّا صفّا ؟

بعض هلك و بعض نجا لا يبشّرون بالأحياء ، و لا يعزّون بالموتى ، مره العيون من البكاء ،

[ 277 ]

خمص البطون ، من الصّيام ، ذبّل الشّفاه من الدّعاء ، صفر الألوان من السّهر ، على وجوههم غبرة الخاشعين ، أولئك إخوانى الذّاهبون ، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم ، و نعضّ الأيدى على فراقهم . إنّ الشّيطان يسنّى لكم طرقه ، و يريد أن يحلّ دينكم عقدة عقدة ، و يعطيكم بالجماعة الفرقة ، فاصدفوا عن نزغاته و نفثاته ، و اقبلوا النّصيحة ممّن أهداها إليكم ،

و اعقلوها على أنفسكم . أقول : كان عليه السلام انهاهم عن الحكومة حين طلبها اهل الشام ، فلمّا غلبه عليها اكثر اصحابه ، رجع اليها فبقيت الخوارج على انكارها ، و قال له بعضهم : كنت نهيتنا ،

الى قوله : ارشد ، فصفّق بأحدى يديه على الاخرى : فعل المغضب النادم . و العقدة : ما عقده و احكمه من الرأى فى البقاء على الحرب ، و هى : المكروه الّذى لو حملهم عليه لجعل اللّه فيه الخير ، و هو : الظفر و سلامة العاقبة و تقويمهم و تداركهم : بما يمكن كالضرب و القتل و نحوه . و قوله : لكانت الوثقى اى : الغفلة المحكمة و لكن بمن اى : بمن اغفل ذلك من الأعوان ، و الى من ارجع فيه . و قوله : كناقش الشوكة إلى قوله : معها : كالمثل يضرب لمن يستعان به ، و ميله مع المستعان عليه . و الضلع : بفتح الضاد و سكون اللام :

الميل ، واصله : انّ الشوكة لمّا تلتها اختها ربّما انكسرت فى عضو الانسان معها ، فكانّه يقول : كيف استعين ببعضكم على بعض مع اتّحاد طباعكم و ميل بعضكم الى بعض .

و استعار لفظ الداء الدّوى : لما يتمّ عليه من مخالفة امره . و لفظ الاطبّاء : لنفسه و اعوانه ،

و كذلك لفظ النزعة : و وجهها انّه ينتزع لهم وجوه الآراء الصالحة كما ينتزع المستقى الدلو من البئر . و الوله : اشد الحزن . و توليه اللقاح اولادها : تفرّقهم بينها كركوبها فى الجهال ، و نصب اولادها بحذف الجار ، اذ لا يتعدّى الفعل الى مفعولين بنفسه . و اغمادها : بدل من السيوف . و قوله : لا يبشّرون ، الى قوله : القتلى : كناية عن شدّة تجدّدهم للجهاد حتى لا يعتنون بحياة حىّ منهم فيبشّرون به او يعزون عنه . و عين مارهة : اذا فسدت . و المرة : الجمع . و سنّى لكم : كذا حسّنه و سهّله . و عقد الدين : ما انحكم منه فى النفوس فاعتقد . و صدف على الأمر : أعرض عنه . و نزعات الشيطان : حركاته بالافساد بين الناس . و نفثاته ، القاء و ساوسه فى الصدور . و اعقلوها : احبسوها .

[ 278 ]