123 و من كلام له عليه السّلام فى التحكيم

فى معنى الخوارج لما انكروا تحكيم الرجال و يذمّ فيه اصحابه قال عليه السلام إنّا لم نحكّم الرّجال ، و إنّما حكّمنا القرآن ، و هذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدّفّتين ، لا ينطق بلسان ، و لا بدّ له من ترجمان ، و إنّما ينطق عنه الرّجال . و لمّا دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّى عن كتاب اللّه تعالى ، و قد قال اللّه سبحانه : ( فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْ‏ءٍ فرُدُّوهُ إلى اللَّه وَ الرَّسُولِ ) 1 فردّه إلى اللّه : أن نحكم بكتابه ،

و ردّه إلى الرّسول أن نأخذ بسنّته ، فإذا حكم بالصّدق فى كتاب اللّه فنحن أحقّ النّاس به ،

و إن حكم بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، فنحن أولاهم به .

و أمّا قولكم : لم جعلت بينكم و بينهم أجلا فى التّحكيم ، فإنّما فعلت ذلك ليتبيّن

-----------
( 1 ) سورة النساء 59 .

[ 282 ]

الجاهل ، و يتثبّت العالم ، و لعلّ اللّه أن يصلح فى هذه الهدنة أمر هذه الأمّة ، و لا توخذ بأكظامها ، فتعجل عن تبيّن الحقّ ، و تنقاد لأوّل الغىّ إنّ أفضل النّاس عند اللّه من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه و إن نقصه و كرثه من الباطل و إن جرّ إليه فائدة و زاده ، أين يتاه بكم ؟ من أين أتيتم ؟ استعدّوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحقّ لا يبصرونه ، و موزعين بالجور لا يعدلون به جفاة عن الكتاب ، نكّب عن الطّريق ، ما أنتم بوثيقة يعلق بها ،

و لا زوافر عزّ يعتصم إليها ، لبئس حشّاش نار الحرب أنتم أفّ لكم ، لقد لقيت منكم برحا يوما أناديكم ، و يوما أنا جيكم فلا أحرار صدق عند النّداء ، و لا إخوان ثقة عند النّجاء . أقول : الفصل من اوّله ، الى قوله : اولاهم به : جواب لما انكره الخوارج من موافقته عليه السلام على التحكيم . و قوله : ليتبيّن الجاهل ، اى : طريق الحق ، و الهدنة : الصلح .

و الكظم : مجرى النفس و الاخذبه ، كناية عن الاعجال و الاخذ بغتة . فانّه عليه السلام لو اخذهم بالقتال بغتة الجأهم الى لزوم ضلالهم من غير ترّو ، و ذلك يخالف مقصود الشارع من جمع الخلق على الدين . و كرثه : حزنه و من الباطل : متعلّق باحبّ . و موزعين بكذا اى : مغرين به . و جفاة عن كتاب اللّه ، تنبوا افهامهم عنه . و نكّب : بضمّ الكاف و سكونها جمع نكوب و هو كثير العدول عن الطريق . و الوثيقة ما يوثق به عند الشدائد .

و زوافر الرجل : انصاره و عشيرته . و الحشاش : ما يحشّ به النار اى توقد . و الترح : الحزن .

و روى : برحا اى : شدّة . و قوله : يوما ، الى آخره ، اى : يوما اناديكم للنصرة فى الدين ، و يوما اسارّكم فيه بالنصيحة و المشورة بالرأى فلا احرار صدق عند النداء : اذ شأن الحرّ أن يخلص من وثاق اللائمة و التقصير : و لا اخوان يوثق بهم : فيما يسرّ اليهم و يلقى من النصيحة ، اذ كانوا يفشون سرّه و لا يقبلون نصيحته .