131 و من خطبة له عليه السّلام

نحمده على ما أخذ و أعطى ، و على ما أبلى و ابتلى ، الباطن لكلّ خفيّة ، و الحاضر لكلّ سريرة ، العالم بما تكنّ الصّدور ، و ما تخون العيون ، و نشهد أن لا إله غيره ، و أنّ محمّدا نجيبه و بعيثه ، شهادة يوافق فيها السّرّ الإعلان و القلب اللّسان . أقول : أبلى و ابتلى : اختبر ، و بطن الامر : خبر باطنه . و خائنة الأعين : نظرها

[ 290 ]

الحرام . و كنى بموافقة سرّ الشهادة : لأعلانها عن اخلاصها .

و منها :

فإنّه و اللّه الجّد لا اللّعب ، و الحقّ لا الكذب ، و ما هو إلاّ الموت قد أسمع داعيه ،

و أعجل حاديه ، فلا يغرّنّك سواد النّاس من نفسك فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال ، و حذر الإقلال ، و أمن العواقب ، طول أمل ، و استبعاد أجل ، كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه ، و أخذه من مأمنه و محمولا على أعواد المنايا ، يتعاطى به الرّجال الرّجال حملا على المناكب ، و إمساكا بالأنامل ، أما رأيتم الّذين يؤمّلون بعيدا ، و يبنون مشيدا ،

و يجمعون كثيرا ، كيف أصبحت بيوتهم قبورا ، و ما جمعوا بورا ، و صارت أموالهم للوارثين ،

و أزواجهم لقوم آخرين ، لا فى حسنة يزيدون ، و لا من سيّئة يستعتبون ؟ فمن أشعر التّقوى قلبه برّز مهله ، و فاز عمله ، فاهتبلوا هبلها ، و اعملوا للجنّة عملها ، فإنّ الدّنيا لم تخلق لكم دار مقام ، بل خلقت لكم مجازا لتزوّدوا منها الاعمال إلى دار القرار ، فكونوا منها على أوفاز ، و قرّبوا الظّهور للزّيال . أقول : الضمير فى انّه للشأن ، و يحتمل أن يعود الى المعنى بالتحذير منه و الانذار به ،

و هو : الموت ، و لذلك فسّره به ، فقال : و ما هو الاّ الموت . و اسمع و اعجل : فى محل النصب على الحال من معنى الاشارة . و قوله : فلا يغرّنك سواد الناس من نفسك ، اى :

فلا يغرّنك رؤيتك لكثرة الناس و الوسوسة من نفسك بذلك عن ملاحظة الموت و نزوله ، اذ كثير ما يرى الانسان الميت محمولا فيدركه رقّة و روعة ثم يعاوده الوسواس الخنّاس و يأمره باعتبار كثرة المشيعين له من الناس فيأنس اليهم و يسكن الى الدنيا بعداده فيهم . و ممن جمع : بدل ممن كان ، و طول أمل : نصب على المفعول له . و البور : الهلاك . و لا من سيئة يستعتبون ، اى : لا يطلب منهم العتبى و هى : الرجوع عن السيئة لعدم امكان ذلك منهم ، و استعار لفظ الاشعار : لاتّخاذ التقوى كالشعار فى ملازمتها للقلب . و الشعار : ما يلى الجسد من الثياب . و اهتبلوا هبلها : اى اهتمّوا لها اهتمامها الذى ينبغى . و الضمير :

للتقوى . و الاوفاز : جمع وفز بالتحريك و السكون ، و هو : العجلة . و قوله : و قرّبوا ، الى

[ 291 ]

آخره : كناية عن الاستعداد للرحيل الى الآخرة بما ينبغى من ازوادها و تذكير بالموت .