132 و من خطبة له عليه السّلام

و انقادت له الدّنيا و الآخرة بأزمّتها ، و قذفت إليه السّموات و الأرضون مقاليدها ،

و سجدت له بالغدوّ و الآصال الأشجار النّاضرة ، و قدحت له من قضبانها النّيران المضيئة ،

و آتت أكلها بكلماته الثّمار اليانعة . اقول : انقياد الدنيا و الآخرة بازمّتها كناية : عن دخولها فى ذلّ الحاجة و الامكان تحت تصريف قدرته . و لفظ الأزمّة مستعار للامكان المحوج لها الى الصانع . قال ابن عباس : مقاليد السماوات و الارض : مفاتيحها بالرحمة و الرزق ، و قيل : خزائنها . و المقاليد :

جمع مقلاد ، و هى : الخزائن . و سجود الاشجار دخولها فى الحاجة اليه و الخضوع له ،

و كلماته : امر قدرته و حكمها بخروج الثمار . و اليانعة : المدركة .

منها :

و كتاب اللّه بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه ، و بيت لا تهدم أركانه ، و عزّ لا تهزم أعوانه . اقول : استعار للكتاب : لفظ الناطق ، لما فيه من البيان . و لفظ البيت له : لحفظه من حفظه ، و عمل به ، و بأركانه قوانينه الكليّة . و اعوانه : العاملون به و ناصروهم .

منها :

أرسله على حين فترة من الرّسل ، و تنازع من الألسن ، فقفّى به الرّسل و ختم به الوحى ، فجاهد فى اللّه المدبرين عنه ، و العادلين به .

[ 292 ]

اقول : قفّى : اتبع . و العادل به : الجاعل له عديلا و مثلا .

منها :

و إنّما الدّنيا منتهى بصر الأعمى ، لا يبصر ممّا وراءها شيئا ، و البصير ينفذها بصره و يعلم أنّ الدّار وراءها ، فالبصير منها شاخص ، و الأعمى إليها شاخص ، و البصير منها متزوّد ، و الأعمى لها متزوّد . اقول : استعار لفظ الأعمى : للجاهل ، لعدم ادراكه لحقائق الامور كالاعمى ، و كونه لا يبصر من وراء الدنيا شيئا : اشارة الى جهله بأحوال المعاد . و لفظ البصير : للعالم . و نفوذ بصره : كناية عن ادراكه لما بعد الموت من احوال الآخرة . و قوله : البصير منها شاخص ،

اى العالم منها راحل به قد جعلها طريق سفره الى اللّه . و الاعمى اى : الجاهل اليها شاخص اى : متطلع اليها بعين بصره و همه محبّتها . و قوله : و البصير منها متزوّد اى : زاد التقوى و العمل الصالح . و الأعمى لها متزوّد اى : جاعل همه ايّاها فهى : زاده الّذى عليه يعتمد .

منها :

و اعلموا أن ليس من شى‏ء إلاّ و يكاد صاحبه أن يشبع منه و يملّه ، إلاّ الحياة فإنّه لا يجد له فى الموت راحة ، و إنّما ذلك بمنزلة الحكمة الّتى هى حياة للقلب الميّت ،

و بصر للعين العمياء ، و سمع للأذن الصّمّاء ، ورىّ للظّمآن ، و فيها الغنى كلّه و السّلامة :

كتاب اللّه تبصرون به ، و تنطقون به ، و تسمعون به ، و ينطق بعضه ببعض ، و يشهد بعضه على بعض ، و لا يختلف فى اللّه ، و لا يخالف بصاحبه عن اللّه .

قد اصطلحتم على الغلّ فيما بينكم و نبت المرعى على دمنكم ، و تصافيتم على حبّ الآمال ، و تعاديتم فى كسب الأموال ، لقد استهام بكم الخبيث و تاه بكم الغرور ، و اللّه المستعان على نفسى و أنفسكم .

[ 293 ]

أقول : قال بعض الشارحين : فقدان الرّاحة فى الموت مخصوص بأهل الشقاوة ، و امّا اولياء اللّه فلهم الراحة الكبرى كما قال صلى اللّه عليه و آله : ( ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللّه ) . و قال بعضهم : بل هو عام لانّ بالموت ينقطع متجر الآخرة و الازدياد من الكمالات الباقية ، و ذلك لا ينافى الخبر لانّ بازدياد الكمال فى الحياة يحصل راحة اعظم مما قبله ، و لانّ المعارف لما لم تكن ضروريّه ، لم تتمكن النفوس البشريّة مادامت فى عالم الغربة من الاطّلاع على ما بعد الموت من الأحوال الاخرويّة ، فبالحرىّ ان يخاف العاقل الموت و يكره سرعته . و ان لم تكن له راحة دونه كما نقل عن الحسن بن على عليهما السلام انّه حين الاحتضار بكى فقال له الحسين عليه السلام : مالى اراك تكاد تجزع مع يقينك بانّك تقدم حيث تقدم على جدّك و أبيك ؟ فقال : نعم يا اخى لا شكّ فى ذلك ، الاّ انّنى سالك مسلكالم أسلكه من قبل .

اقول : لا منافاة بين القولين ، لانّه لاراحة فى نفس الموت لأحد لكونه مجرّد آلام و مخاوف ، لكنه مستعقب لراحة اولياء اللّه بلقائه فكانت فيه راحتهم ، و كلامه عليه السلام أشبه بالعموم لانّ الولىّ و غيره لا يجد فى الموت راحة حين نزوله . و قوله : انّما ذلك اى :

الأمر الّذى هو احقّ بأن لا يملّ و لا يشبع منه انّما هو ، اى : بمنزلة الحكمة و اراد : الحكمة نفسها و لا يقتضى الكلام انّ شيئا فى منزلتها غيرها . و استعار لها لفظ الحياة : باعتبار انّها تحيى القلب الميت بداء الجهل ، و لفظ البصر و السمع : لعين الجاهل و اذنه اللتين يستفيد بهما عبرة ، و لفظ الظمآن : للجاهل المتعطّش الى العلم ، و لفظ الرى : لأنّها كالماء فى استغناء النفس بها . و كتاب اللّه : خبر مبتدأ و امّا : خبر ثان لذلك . بمنزلة الحكمة : خبر اوّل ، و المبتدأ : محذوف تقديره : و هو ، اى : الّذى بمنزلة الحكمة كتاب اللّه ، و لا ينافى ذلك ايضا ان يكون نفسه حكمة و تفسيرا لها .

و قوله : تبصرون به ، اى : تهتدون لمقاصدكم الدنيويّة و الاخرويّة ، و تنطقون به ،

اى : فى الفتوى و الاستدلال و القصص و نحوه . و تسمعون به أى : ما ينفعكم من الموعظة الحسنة و العبر النافعة . و ينطق بعضه ببعض اى : يفسّر بعضا كالمبين للجمل ، و المقيد :

للمطلق ، و الخاص : للعام . و يشهد بعضه على بعض اى : يستشهد ببعضه على انّ المراد ببعض آخر كذا ، و هو كالّذى قبله . و قوله : و لا يختلف فى اللّه ، اى : لا يختلف فى الدلالة

[ 294 ]

على المقاصد الموصلة الى اللّه ، بل كلّها متطابقة على ذلك و ان تعدّدت . و لا يخالف بصاحبه عن اللّه اى : لا يعدل بمن يهتدى به من سبيل اللّه عن الوصول اليه . و استعار وصف الاصطلاح : لما هم عليه من الغلّ ، و هو الغش و الحقد لاتّفاق ذلك فى جميعهم و اشتراكهم فيه .

و قوله : و نبت المرعى على دمنكم : مثل يضرب للمتصالحين فى اللّه مع غلّ القلوب ، و وجهه : انّ ذلك سريع الزوال لا اصل له كانبات فى الدمن ، و هى ما تلبّد من آثار القوم و مرابط انعامهم . و الآمال : ما يؤمّل كلّ من صاحبه من نفع عاجل ، و هو :

الجامع بينهم ، و سبب صفائهم فى الظّاهر . و استهام بكم الخبيث اى : اشتدّ عشق الشيطان لكم ، و ذلك تنبيه على ما يظهر منهم من آثار وسوسته ، و هو : الغرور ايضا .