137 و من خطبة له عليه السّلام فى ذكر الملاحم

يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى ، و يعطف الرّأى على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرّأى . اقول : الاشارة هنا ، الى الامام المنتظر الموعود به ، فى الخبر و الأثر . فعطفه الهوى على الهدى : عرضه لميول النفس الامّارة على قوانين الحق و ردّها اليها ، و كذلك عطف الرأى على القرآن ردّه اليه .

منها :

حتّى تقوم الحرب بكم على ساق باديا نواجدها ، مملوءة أخلافها ، حلوا رضاعها ،

علقما عاقبتها . ألا و فى غد و سيأتى غد بما لا تعرفون يأخذ الوالى من غيرها عمّالها على مساوى‏ء أعمالها ، و تخرج له الأرض من أفاليذ كبدها ، و تلقى إليه سلما مقاليدها ،

فيريكم كيف عدل السّيرة ، و يحيى ميّت الكتاب و السّنّة .

[ 298 ]

أقول : قيامها على ساق ، كناية عن غاية شدّتها ، و كذلك بذو نواجذها : ملاحظة لشبهها بالسّبع عند غضبه . و مملؤة اخلافها : كناية عن تمام استعدادها برجالها و آلاتها كاستكمال الضرع اللبن ، و اخلاف الناقة : حلمات ضرعها . و استعار لفظ الحلو : للدخول فيها ، باعتبار اقبال أهل النجدة عليها . و لفظ العلقم : لعاقبتها ، لما يجده الناس بعدها من الهلاك و الضعف . و قوله : الا و فى غد : اخبار بما سيكون من امر الامام المنتظر ، و هو المراد بالوالى . و قوله : من غيرها : يشبه ان يكون قد سبقه ذكر طائفة من الناس او البلاد ذات ملك و امرة ، فأخبر عليه السلام : انّ الوالى من غير تلك الطائفة ، و هو الامام عليه السلام يأخذ عمالها بذنوبهم . الأفاليذ : جمع للفلذة ، و هى : القطعة من الكبد .

و استعار لفظ الكبد : لما فى الارض من الكنوز باعتبار خفائها و عزّتها كالأكباد فى الأجساد . و المقاليد : الخزائن . و ميت الكتاب و السنة : مستعار لما ترك منهما . فان قلت قوله : و يريكم يدلّ على انّ المخاطبين يدركونه مع انّكم زعمتم انّه يكون فى آخر الزمان فكيف ذلك ؟ قلت : خطاب الحاضرين عام او فى حكم العام ، كسائر خطابات القرآن الكريم مع الصّحابة ، المتناول لمن وجد الى يوم القيامة ثم يخرج المخاطبون بدليل العقل .

منها :

كأنّى به قد نعق بالشّام و فحص براياته فى ضواحى كوفان ، فعطف إليها عطف الضّروس و فرش الأرض بالرّءوس ، قد فغرت فاغرته و ثقلت فى الأرض و طأته ، بعيد الجولة ، عظيم الصّولة . و اللّه ليشرّدنّكم فى أطراف الأرض ، حتّى لا يبقى منكم إلاّ قليل ،

كالكحل فى العين ، فلا تزالون كذلك حتّى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها ، فالزموا السّنن القائمة ، و الآثار البيّنة ، و العهد القريب الّذى عليه باقى النّبوّة ، و اعلموا أنّ الشّيطان إنّما يسنّى لكم طرقه لتتّبعوا عقبه . أقول : قيل : الاشارة الى عبد الملك بن مروان ، لانّه ظهر بالشام حين جعله أبوه الخليفة من بعده ، و سار الى الكوفة لقتال مصعب بن الزبير فقتله و دخل الكوفة ، و بعث

[ 299 ]

الحجّاج الى ابن الزبير فقتله ، و هدّم الكعبة 1 ، و قتل خلقا كثيرا من العرب فى وقائع عبد الرحمان بن الأشعث و رمى الناس بالحجّاج .

و نعق : صاح ، و هو كناية عن دعوته . و فحص الطير التراب : قلّبه . و ضواحى كوفان : نواحى الكوفة البارزة . و فحصه براياته : كناية عن تقليبه لأمور الكوفة و أهلها بسطوته و بأسه . و الضروس : الناقة سيئة الخلق تعضّ حالبها . و وجه شبه عطفه على الكوفة بعطف الضروس : شدّة الحنق و الغضب . و فغرت فاغرته : انفتح فوه ، هو كناية : عن اقباله بالأذى كالسّبع الصائد ، و اكّد الفعل بذكر الفاعل من لفظه . و كنّى بثقل و طأته : عن شدّة بأسه ، و بعد جولته : عن اتّساع تصرّفه و تملكه و جولانه فى البلاد البعيدة . و بعيد و عظيم :

حالان . و روى : رفعهما خبرى مبتدأ و عوازب احلام العرب : ما كان ذهب من عقولها العملية فى نظام احوالهم فى الاجتماع ، و العرب قيل : هم بنو العباس ، و من نصرهم ايّام ظهور دولتهم كقحطبة بن شبيب الطائى ، و بنى زريق و غيرهم . و يسنّى : يسهل .