143 و من خطبة له عليه السّلام

بعث اللّه رسله بما خصّهم به من وحيه ، و جعلهم حجّة له على خلقه ، لئلاّ تجب الحجّة لهم بترك الإعذار إليهم ، فدعاهم بلسان الصّدق إلى سبيل الحقّ . ألا إنّ اللّه قد كشف الخلق كشفة ، لا أنّه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم و مكنون ضمائرهم ، و لكن ليبلوهم أيّهم أحسن عملا ، فيكون الثّواب جزاء ، و العقاب بواء ، أين الّذين زعموا أنّهم الرّاسخون فى العلم دوننا ؟ كذبا و بغيا علينا أن رفعنا اللّه و وضعهم ، و أعطانا و حرمهم ،

-----------
( 1 ) سورة عبس 24 الى 32

-----------
( 2 ) سورة البقرة 155 .

[ 304 ]

و أدخلنا و أخرجهم ، بنا يستعطى الهدى ، و يستجلى العمى ، إنّ الأئمّة من قريش غرسوا فى هذا البطن من هاشم : لا تصلح على سواهم ، و لا تصلح الولاة من غيرهم . أقول : الضمير فى قوله : لهم و اليهم : للخلق و هو اشارة الى قوله تعالى : ( رسلا مبشّرين و منذرين ) 1 الآية . و لسان الصدق : دعوته صلى اللّه عليه و آله المؤيّدة بالمعجزات الباهرة . و سبيل الحق : شريعته القائدة الى اللّه . و البواء : الجزاء . و امّا الّذين زعموا انّهم الراسخون فى العلم : فانّ جمعا من الصحابة كان كل منهم يدّعي الأفضلية فى فن من العلم ، فمنهم من كان يدّعى انّه أفرض ، و منهم من كان يدّعي انّه اقرأ ، و منهم من كان يدّعي انّه أعلم بالحلال و الحرام ، و رووا : افرضكم زيد بن ثابت ، و اقرأكم ابّي ، و رووا : مع ذلك : اقضاكم عليّ 2 .

و لما كان القضاء مستجمعا لأنواع العلوم لزمه انّه افضل ، لأستجماعه ما تفرّق فيهم من الفضائل ، فعلم صدقه فى تكذيبهم . و ان : فى محل النصب بالمفعول به ، و هو اشارة :

الى العلة الحاملة لهم على تكليف هذه الدعوى . و اعطانا : الملك و النبوّة و ادخلنا : فى عنايته الخاصة بنا . و استعار لفظ العمى : للجهل . و قوله : انّ الأئمة من قريش : نصّ متفق عليه من النبىّ صلى اللّه عليه و آله ، و تخصيص ذلك بهذا البطن من هاشم نصّ منه يجب اتباعه لعصمته ، و لقول الرسول صلى اللّه عليه و آله فى حقه ( انّه لمع الحق و انّ الحق معه يدور حيث دار ) 3 و الاشارة بهذا البطن : الى ولده الأحد عشر بنصّ كل منهم على من بعده .

منها :

آثروا عاجلا ، و أخّروا آجلا ، و تركوا صافيا ، و شربوا آجنا كأنّى أنظر إلى فاسقهم و قد صحب المنكر فألفه و بسى‏ء به و وافقه ، حتّى شابت عليه مفارقه ، و صبغت به خلائقه ثمّ أقبل مزبد اكالتّيّار لايبالى ما غرّق ، أو كوقع النّار فى الهشيم لا يحفل ما حرّق أين العقول

-----------
( 1 ) سورة النساء 165

-----------
( 2 ) الغدير 3 96 . مطالب السؤل 1 23 . الاستيعاب 3 38 هامش الاصابة . الرياض النضرة ، 198 . تاريخ الخلفاء 115

-----------
( 3 ) الغدير 3 176 170 و قد اخرج الحديث جمع من الحفاظ و الاعلام .

[ 305 ]

المستصبحة بمصابيح الهدى ؟ و الأبصار اللاّمحة إلى منار التّقوى ؟ أين القلوب الّتى وهبت للّه و عوقدت على طاعة اللّه ؟ ازدحموا على الحطام ، و تشاحّوا على الحرام ، و رفع لهم علم الجنّة و النّار فصرفوا عن الجنّة وجوههم و أقبلوا إلى النّار بأعمالهم ، و دعاهم ربّهم فنفروا و ولّوا ، و دعاهم الشّيطان فاستجابوا و أقبلوا .

اقول : الاشارة : الى بنى اميّة و من تبعهم ممن خف دينه . و العاجل : متاع الدنيا .

و استعار لفظ الآجن : باعتبار ما يخالطه من كدر الأعراض و الامراض المنغّصة . و الآجل :

هو ثواب الآخرة . و استعار لفظ الصافى : باعتبار خلوصه عن الأكدار المذكورة . و فاسقهم :

يشبه ان يريد به : معينا قيل : هو عبد الملك بن مروان . و بسئ به : ألفه و انس اليه . و كنى بغايته فى ذلك ، عن صيرورته ملكة ، و خلقا له ، و شبه اقباله فى حركاته الخارجه عن الدين : بالبحر الطّامى ، و استعار له : لفظ المزبد ، و كذلك شبّه فعله : بوقع النار فى الهشيم و هو ما تكسّر من نبت الارض بعد يبسه ، باعتبار سرعة افساده ، و عبثه فى البلاد من غير مبالاة بالدّين كما قال : ( لا يبالى ما حرّق ) . و استعار لفظ مصابيح الهدى و منار التقوى اى : اعلاقها لأئمة الدين او لقوانينه . و وصف هبة القلوب و معاقدتها : لقصرها على طاعة اللّه . و الضمير فى قوله : ازدحموا : عائد الى من سبق و هو الى آخره ذمّ لهم ، و انّما قال : و اقبلوا بأعمالهم ، و لم يقل : بوجوههم ، كما قال : فصرفوا وجوههم ، لانّ اقبالهم بوجوه نفوسهم على لذّات الدنيا يستلزم صرفها عن الأعمال الموصله الى الجنة و ذلك يستلزم اعراضها عن الجنّة .

ثم لما كانت غاية الانسان من الدنيا هو الحصول على لذّاتها ، و كانت النار لازمة للأعمال الموصلة الى تلك الغاية لزوما عرضيا لم تكن النار غاية ذاتية قد اقبلوا بوجوههم و قصورهم اليها ، بل كان اقبالهم عليها بأعمالهم المستلزمة لها . و باقى الفصل واضح .